قِراءَةٌ في المُؤَلَّفِ النَّقدي الْمَسْرَحي
الكــوميديــا الصّادِمَـــة
سُخْرِيَّةُ الإِنْسانِ الْمَقْهور
تأليف لحسن قناني
مِن نَحْتِ الْمُصْطَلَحِ إِلى تَمَثُّلِ الْمَفْهوم
بقلم د. عبد الرحمن بن إبراهيم
1 - "الكوميديا" المصطلح والمفهوم
من المعلوم أن "المفهوم" (Concept)هو عبارة عن بنية فكرية ذات معنى ودلالة مجردة جامعة للخصائص الأساسية، أو السمات المشتركة لشيء أو لمجموعة من الأشياء التي تمثله. وهو أداة أساسية للتفكير والفهم والتواصل. ويتكون (المفهوم) من تمثيل ذهني يجمع صفات متكررة في أشياء واقعية أو خيالية، ويساعد في تنظيم الخبرات والمعلومات. تنشأ المفاهيم في إطار التجريد أو التعميم، أو نتيجة للتحولات التي تطرأ على الأفكار القائمة. هذا المفهوم يتبدّى من خلال جميع الحالات العملية أو المحتملة سواء أكانت هذه الأشياء في العالم المحسوس أم أفكار خيالية. ومن خصائص المفهوم تفاعله وانفتاحه وتأثره بالمفاهيم الأخرى في عديد العلوم كعلم النفس وعلم الاجتماع واللسانيات، وبشكل ضمني علوم الفيزياء والرياضيات... ويمكن تأطير المفهوم في ثلاثة مستويات: الأول منها أن المفهوم بحكم طبيعته التجريدية فهو نتاج تراكمات ذهنية تبلورت مع الزمان بفعل الاجتهادات الخلّاقة والقدرات الإدراكية، لتتشكل في إطار وعاء كبير حامل للمعاني والدلالات والرموز، تكون عادة بمثابة تمثلات ذهنية. الثاني أن المفهوم يملك القدرة على الثبات لفترة زمنية طويلة، بحيث يصعب تعديله أو تحديثه إلا في حالة ظهور تحولات فكرية وانعطافات فلسفية ونظريات نقدية لم تكن معلومة من قبل. أما الثالث فيتمثل في كون المفهوم يرتبط أساسا بالفرد الواحد في الغالب، وأحيانا بالأفراد الذين صاغوا وأسسوا مفهوما ما.
أما المصطلح (Terme) فهو عبارة عن اتفاق لغوي مؤطر في صيغة محددة، يتم بين مجموعة من الأفراد المتخصصين بعلم معين. بهذا المعنى، فالمصطلح يقوم على الاتفاق المباشر أو الضمني أو التاريخي، وأن المصدر هو الجماعة. ويُعتبر الاتفاق معيارا يُكْسِبُ المصطلحَ صفته وقوته المصطلحية، وفي حالة الاختلاف يتحول إلى مفهوم متنازع فيه. هكذا نستخلص أن الاختلاف حول دلالة المصطلح يُكسبه صفة مفهومية، والاتفاق في المقابل يُبقي على الصفة المصطلحية. وأن لفظ المصطلح يُستعمل للدلالة على ما هو متفق عليه، بينما استعمال لفظ المفهوم يدل على ما هو مختلف فيه. وبمقدار ما يكون المصطلح قويا ومؤثرا فإنه يكتسب حمولته المصطلحية ويتجاوز المسلك اللغوي الذي يبحث عن بيان المعنى المراد؛ مما يفهم منه أن كل مصطلح مفهوم، وليس كل مفهوم مصطلح. بهذا المعنى ترقي "الكوميديا الصادمة" إلى المعنى المصطلحي الذي يستوعب المعنى المفهومي. فقد وظفها الباحث لحسن قناني في إطار المسلك التداولي الذي يتتبع التغييرات التي يحدثها الاستعمال في السياق التلفظي والوظيفي والتواصلي بين المُرسِل والمُرَسل إليه.
وإذا كان مفهوم التراجيديا محل اتفاق وإجماع بالصيغة التي حددها أرسطوطاليس؛ فإن مفهومه للكوميديا شابه الكثير من الالتباس؛ إلا بعض النتف والشذرات المبثوثة في ثنايا ما كتبه عنها بسبب فقدان النص الأصلي حولها. غير أن <<الثابت والشاهد الذي نمتلكه هو الثبت الذي خلفه أرسطو، ومنهاجه في البحث عن أنواع المحاكاة في مجموعها، لكنها تختلف على أنحاء ثلاثة (الوسائل – الموضوعات – الأسلوب). وقد أقر أن الحد الفاصل بين التراجيديا والكوميديا هو الموضوع، ويتقدمان في إحراز الاتفاق على صعيدي الوسيلة والأسلوب.>>1 والموضوع هو محاكاة فعل مأساوي في بناء درامي يتحدد في بداية ووسط ونهاية. إن انعدام الموضوع في الكوميديا له تأثير على خط بنائها الدرامي الذي لن يكون متصاعدا، ولن تكون فيه ذروة تحتم حلّا بالضرورة. وحتى في حال وجود عقدة تتبلور وتتأزم عندها الأحداث، فإن حلها لن يكون سوى فكاهيا ومسليا بعيدا عن توقعات المشاهد. إن الأمر -إذًا- يتعلق بمحاكاة لفعل صادر عن أشخاص دون المستوى العام. وتتضمن هذه الدونية معنى القبح والنقص، فتظهر الشخصية نمطية مثيرة للسخرية والنفور، كأن تبدو ذات عاهة في الخِلقة، أو ذات نقيصة في سلوكها وطريقة نطقها. بهذا المعنى فموضوعات الكوميديا في الأصل تنحصر في قضايا شخصية، قصص خيالية، أو حكايات تمزج بين ما هو واقعي محسوس واللاواقعي الموغل في الوهم، وتجمع بين ما هو حقيقي وما هو خرافي. <<إن الكوميديا تنطلق من البحث عن الفكرة الكوميدية المبتكرة، وتصميم مواقفها، عكس التراجيديا التي تبحث عن الفعل السلوكي المكتمل، الذي يتطلب منذ البداية وجود هيكل لموضوع مكتمل البناء. معنى هذا أن هيكل الموضوع كان الأساس في التراجيديا، بينما كانت الفكرة الكوميدية العامة هي موضوع اهتمام الشاعر في المقام الأول.>>2 غير أن ما يُلزمهما هو ضرورة إحداث توازن في عاطفتي الخوف والشفقة في التراجيديا، وفي الباعث على الضحك والتسلية في الكوميديا. فالخوف يجب ألا ينقلب إلى رعب، ولا الضحك يتحول إلى قهقهة فارغة.
إن الضحك ظاهرة اجتماعية وجماعية. ولا يمكن لشخص أن يضحك بمفرده، وبمعزل عن مؤثر خارجي. إن الكوميديا فعل جماعي، غايتها اللحظية هو الإضحاك والترفيه من خلال شخصيات أراذل، أدنى منزلة اجتماعية، وأقل مرتبة خِلقةً وخُلقًا. <<وتسخر من المتعة وتدين الاسترخاء، لأنهما أساس كل نقيصة ووراء كل وبال.>>3 وغايتها الكبرى التغيير من خلال النقد الاجتماعي لبعض المظاهر السلبية السائدة بعد أن يتم عرضها في صورة/صور سلبية تُحَقِّرُ وتقلل من شأن شخصية أو نماذج معينة. وفي ذلك تتحقق رسالة الكوميديا التي تهدف إلى التغيير. ويتم تمرير الرسالة عبر أحداث بسيطة وعادية يبحث مؤلفها عن الفكرة، وموضوعها الكشف عن السلبيات وتعرية النقائص وفضح المستور، ثم اقتراح البديل في صيغة فنية بليغة. إنه ضحك غايته التوعية الارتقاء في السلم الاجتماعي، وتربية الذوق والحس الجمالي. أما الضحك من أجل الضحك فيندرج في إطار الهزل، في الهزلية لا يبذل المتفرج مجهودا في التفكير والتركيز، مثلما يحدث في عرض البهلوان ولاعب السيرك على سبيل المثال. إن الضحك الكوميدي يخاطب العقل؛ وهو ما يتناقض مع التراجيديا التي تهدف إلى التطهير بحكم اهتمامها بالفرد الذي يقوم بالفعل النبيل في إطار هيكل درامي متكامل من حيث الشكل والمعني. وعلى الرغم من التأثير الكبير الذي مارسته النظرية النقدية الأرسطية إلى مطلع القرن العشرين، والقاضية بالفصل بين الأنواع الأدبية، والقائلة بفكرة صفاء النوع الأدبي، مع رسم حدود فاصلة بين هذا النوع وذاك؛ فإن العديد من الإبداعات المسرحية لم تحترم هذا الفصل، على اعتبار أن مقولة صفاء "النوع الأدبي" مجرد تقسيم مدرسي كلاسيكي، وقالب افتراضي تجاوزه المفهوم الحداثي للأنواع الأدبية. وأن حياة النوع الأدبي واستمراريته مرهونة بتبادل التأثر والتأثير، وأن انغلاقه على نفسه سيؤدي إلى اندثاره. ولنا في مسرحية وليم شكسبير "هاملت" خير مثال؛ حيث تلتقي الملهاة المفجعة بالمأساة المضحكة. وهذا الجمع بين المتضادات في المسرحية الواحدة قد يكون سببا من أسباب نجاحها.
2 - "الكوميديا الصادمة" من نحت المصطلح إلى تمثُّلِ المفهوم
حينما يتعلق الأمر بالكوميديا، تُطرح تلقائيا العلاقة بين ظاهرة الضحك والظاهرة المسرحية. وفي هذا الصدد صاغ المؤلف لحسن قناني مساءلة questionnement تتنوع فيها الاستفسارات وتتشعب، من دون مغادرة أطروحة السؤال الأصلي، الذي يدل على أن العلاقة بين المجالين هي علاقة إشكالية:
<<- ماذا يشكل الانفعال العجيب، أي الضحك داخل المسرح،؟
- وما علاقته بالفرجة المسرحية، وكيف يعمل على إنتاجها،؟
- وكيف ومِن أين يستمد المسرح قدرته على الإضحاك،؟
- وهل ينحصر دور الضحك في إنتاج المتعة والفرجة المسرحيتين، أو ثمة علاقة معينة تربطه بالجانب المعرفي،؟
- وهل قيمة الضحك المسرحي تتحدد داخل بنية العملية المسرحية أم خارجها،؟
- بمعنى هل يشتغل الضحك داخل العمل المسرحي كترف فني لا غير أم يروم تحقيق أهداف اجتماعية.؟>>4
لا ريب أن الباحث طرح هذه الأسئلة كمدخل منهجي لبناء أطروحته انطلاقا من<< مغامرة تجريدية تنظيرية خالصة للكوميديا.>>5 وبالنسبة إليه، فكل حديث نظري عن الكوميديا سيؤول لا محالة إلى "تحصيل حاصل". وفي المقابل، فإن الأمر ما يزال بعيدا عن أن يكون قد استنفذه البحث التطبيقي المتمثل في الممارسة الميدانية نصًّا وعرضًا وتلقيًا، وفي استخلاص القيم الفنية والجمالية التي أفرزتها. وهي فكرة عملية إذا <<تم تجاوز ذلك النوع من الإخلاص والولاء للمركز أي الثقافة الغربية، وتم توجيه الاهتمام نصب المحيط أي الثقافات الشرقية، ومنها الثقافة العربية.>>6 على أساس أن الكوميديا في العالم العربي ما تزال بكرا. وهي دعوة صريحة للانكباب على قراءة النص الكوميدي العربي، والحفر في أخاديده بحثا عن مكامن القيم الفنية والجمالية، وانتشالها من رفوف النسيان.
يطرح المبدع والناقد والمنظر لحسن قناني تصوره للكوميديا الصادمة عبر سؤالين يحددان إطارها المفهومي
أ- ما الذي نقصده بالكوميديا الصادمة؟
بـ- وبأي معنى يمكن اعتبارها كوميديا الإنسان المقهور.؟
المقصود هو نوع مسرحي يتأسس على المفارقات الإيحائية، ويندرج في عموم الكوميديا السوداء التي تجمع في آن واحد بين الضحك الهستيري والتسلية الهادفة من جهة، والمساهمة المؤثرة والنقد البناء من جهة أخرى. غير أن التراكم الإبداعي على مستوى النصوص الإبداعية عند الكاتب المسرحي لحسن قناني، فضلا عن تجربته الميدانية على مستويي التمثيل والإخراج ساهمت في انبثاق تصور فني وجمالي تأصل ذهنيا وعمليا وتقنيا فيما بات يعرف بـ "الكوميديا الصادمة". <<فالكوميديا الصادمة هي أولا وقبل كل شيء كوميديا. أي نوع من المسرح يجعل من الضحك والتفكه قناته النموذجية لمد جسور التواصل الفني مع المتلقي، وينظر إلى السخرية باعتبارها أبلغ الطرق لقول الحقيقة.>>7
على المستوى المصطلحي، فخاصيتها المصطلحية تتمثل في كونها محل اتفاق إجماع بفضل شيوعها واستقرارها في كتابات لحسن قناني. فالتمثل الأرسطي في المصطلح يتحدد في كون الكوميديا لا تنحصر في التسلية والضحك، وتَصَيُّدِ المتعة للمشاهدين، فذلك قد يكون استخفافا بهم على أساس <<أن تَعَمُّدَ الإثارة – كما يقول أرسطو- يعتبر عيبا في الكوميديا، أو نوعا من الهبوط ببعض جوانب الطبيعة البشرية إلى مستوى دنيء، على غير مرض فيها.>>8
إن محاولة تحديد مفهوم "الكوميديا الصادمة" تقتضي تفكيك التمثل الذهني للحمولة المعرفية لمدلول "الصدمة" الذي جاء في صيغة اسم الفاعل. إن الأمر يتعلق بتوظيف انزياحي لمفهوم الصدمة لإحداث رجة ذهنية غير متوقعة عبر تناول موضوعات غريبة، مثيرة، مريبة، مزعجة، مستفزة ومسكوت عنها. ولبلوغ الغاية المتوخاة، يتم اعتماد تقنيات بصرية وسمعية لافتة لإحداث وقع الصدمة يترتب عنها اهتزاز المفاهيم التقليدية، والتشكيك فيما بات قائما ومكرسا، وصدور ردود فعل تعكس حالة استنفار لدى المتلقي. وبناءً عليه، فالعرض المسرحي في الكوميديا الصادمة عبارة عن عالم معقد ومتغير، يوظف الفكاهة الساخرة في تناوله لموضوعات اجتماعية جدية ومؤلمة. فحين تصير مآسي الإنسان مادة لإثارة الضحك، وحين يتحول الألم القسوة إلى مجال للتندر والتهكم، فذلك ما يوقع العقل في مواجهة مباشرة بين تصوراته ومفاهيمه من جهة، والمفارقات العجيبة التي تخلخل يقينه وتبعث الحيرة في قناعاته من جهة ثانية. <<إن الكوميديا الصادمة بهذا المعنى هي كوميديا تضحكنا، ولكن ما أن يخبو ضحكنا ويتباعد صداه حتى نشعر بنوع من المرارة في الحلق. قد يتدرج ضحكنا هذا حسب نسب وكميات أو بالأحرى كيفيات متفاوتة، انطلاقا من الضحك الداخلي أو ما يسمى بضحك العقل، والذي عادة ما يكون مستترا، ولا ترافقه أي تغييرات فيزيولوجية، مرورا بالابتسام بأنواعه سواء كان أصفرا أو متكلفا أو حقيقيا، وصولا إلى الضحك ملء الشدقين والقهقهة، إلى درجة الانكفاء على الظهر.>>9
في الكوميديا الصادمة تتحول الملهاة إلى فكاهة سوداء يتصادم فيها الواقعي الموضوعي بالذاتي اللاواقعي؛ حيث يُقَدَّمُ ما هو جدي في قالب هزلي ساخر. غايته تحريك الوعي وتحفيز النشاط الذهني لدى المتلقي لتجاوز التوتر النفسي من خلال إحداث الضحك في المواقف الصعبة. ويمثل ذلك وسيلة فعالة لتأقلم المشاهد مع فظاعة مشاهد مسرحية ومرارة أحداثها من جهة، ولضمان التواصل وتبادل المشاعر حفاظا على الروابط الاجتماعية دون الشعور بالضغط من جهة ثانية. إن العرض في الكوميديا الصادمة عبارة عن تراجيديا في قالب كوميدي، أو مشاهد مأساوية جاوزت حدها فانقلبت إلى ضدها، فنكون بصدد ضحك كالبكاء. <<إن الضحك في الكوميديا الصادمة هو ضحك جدلي يمتزج فيه التفاؤل بالتشاؤم، والهموم بالمسرات. ولعل هذا ما دفع الروائي الفلسطيني إلى أن يطلق على إحدى رواياته عنوان "الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل"، جاعلا من التشاؤل اسما منحوتا لضحكة جدلية يمتزج فيها التشاؤم بالتفاؤل، والتراجيديا بالكوميديا، والدمعة بالابتسامة، والسعادة بالنحس.>>10
إن المستهدف في الكوميديا الصادمة هو الإنسان المقهور، كما يشير إلى ذلك عنوان الكتاب. ويتخلص وجوده في <<وضعية مأزقية، يحاول في سلوكه وتوجهاته وقيمه ومواقفه مجابهتها، ومحاولة السيطرة عليها بشكل يحفظ له بعض التوازن النفسي، الذي لا يمكن الاستمرار في العيش بدونه. هذه الوضعية المأزقية هي أساسا وضعية القهر الذي تفرض عليه الطبيعة التي تفلت من سيطرته وتمارس عليه اعتباطها، والممسكون بزمام السلطة في مجتمعه الذين يفرضون عليه الرضوخ.>>11 وبالنسبة للباحث لحسن قناني، فالكوميديا الصادمة هي كوميديا الإنسان المقهور. فكل ما يصدر عنه من قول وفعل يترجم الحقيقة المُرّة التي يكتمها ولا يستطيع التخلص منها. والعرض المسرحي الكوميدي الصادم في هذه الحالة ليس سوى تنفيس لمعاناته المقموعة في لا وعيه. فعندما يضحك ويمرح بحرارة، فهو تعبير معكوس عن اشتداد وطأة الألم، فيكون استسلامه قهرا وغصبا لمصيره المهزوم. <<ذلك هو أسلوب الكوميديا الصادمة في مغالبة المأساة إذا فاقت حد المعقول، تلجأ إلى التهكم كوسيلة تعلو بها على حدة الأوجاع، فلا مفر من ذلك إذا أراد الإنسان المقهور معالجة جراحه الدفينة التي لا تنفك عن النزيف، وإلا كان فريسة لليأس والجنون.>>12 وفي هذه الحالة يتحول الضحك إلى خلاص وانفكاك من أسر القهر والكبت والقمع والحرمان، وإلى سلاح مقاومة لمحاصرة الألم وتقليص مساحة اليأس، فتتحقق الغاية المتمثلة في التنفيس عن الحالة اللاواعية للإنسان المقهور في مقابل التطهير الذي يتحقق في العرض التراجيدي.
إن الأمر يتعلق بعلاقة جدلية بين الاجتماعي واللاوعي، على أساس <<أن البنية الاجتماعية بمؤسساتها الرئيسية تشكل الشخصية الإنسانية في قوالب خاصة. تنقش نظامها السائد في أعمق أعماق الإنسان، من خلال تشكيل حياته اللاواعية (مستودع النزوات وما يرتبط بها من أنماط العلاقات الأثرية الأولية). لقد أصبح معروفا من الناحية النفسية، أن نمط الشخصية وبنيتها هو نتاج نظام العلاقات الأولية الذي يظل فاعلا في اللاوعي.>>13 وأمام ضغط المؤسسة الاجتماعية لا تملك الذات المقهورة سوى السخرية اللاذعة سلاحا فعالا لتحويل المشاعر الملتهبة حزنا وألما إلى مادة للتفكه والتهكم في سبيل استعادة نوع من الاعتبار الذاتي. <<وعلى هذا النحو، تعمل الهموم والأحزان وشتى أنواع الأسى والكدر والظلم والفساد عملها داخل الكوميديا الصادمة، إنها تضحكنا من فرط الشهيق والبكاء، إنها تشهقنا حتى تضحكنا، وتروي لنا المأساة بلغة الملهاة، وترسم لنا الفاجعة بألوان قوس قزح، وهذه الألوان الزاهية التي يسري تحتها السواد سريان النار تحت الهشيم.>>14
إنها دعوة إلى المقاومة، إلى التحدي، إلى البحث عما يمكن أن يكون محركا على الضحك، باعثا على التسلي، دعوة إلى إقامة الدليل على بطلان النقيض. <<وبالتالي، فإن الحديث الفني عن مأساوية الوضع البشري يتطلب استدعاء النقيض المتمثل في الضحك، ولما كانت نتيجة هذا الضحك هو الإحساس بالصدمة الموجعة، إلى درجة تشكيك العقل في مدى مصداقية الضحك في مثل هذه الظروف الفاجعة؛ فإن الوعي سرعان ما يرتد على نفسه في محاولة لوضع المسافة اللازمة من أجل إعادة تقييم الموقف وممارسة النقد وإثارة روح التساؤل.>>15
3 - كوميديا الإنسان المقهور
ينتقل لحسن قناني من التأطير النظري إلى مجال الممارسة التطبيقية على مستوى الكتابة النصية لكوميديا الإنسان المقهور. فقد استعرض مجموعة نصوص تندرج في إطار كوميديا الإنسان المقهور(*). إن الأمر يتعلق بالوظيفة الاجتماعية للأدب، وهي وظيفة قديمة قدم الأدب نفسه. وما فعله الباحث يعكس نزوعا إنسانيا يتمثل في ربط الأدب والفن بما يصب في مصلحة الفرد والمجتمع والوطن. ومعلوم أن مفهوم الالتزام في الأدب انبثق في الأصل من النظرية الأخلاقية، لكنه تجاوزها ليتأطر في مفهوم الالتزام الذي يتحدد في مسؤولية الأديب، وتعميق الوعي انطلاقا من موقف إيديولوجي معين ذي خلفية نظرية واضحة. وقد كشف الباحث عن موقفه المنحاز أيديولوجيا إلى الفئة الاجتماعية المحرومة، والساعي إلى <<التمييز بين الوعي واللاعي، على أساس أنهما متعارضان، ولا يمكن الجمع بينهما. إن الوعي أكثر إثارة للرعب من أي من مركبات اللاوعي.>>16 وأبان كذلك عن رؤيته الفنية المبنية على الاتساق الفكري والوضوح الجمالي المؤدلج للنظرية الأخلاقية، وهو القائل <<إن أصالة الكوميديا الصادمة ونجاعتها لا تتعلق فقط بما سبق ذكره من ارتباط بضحايا وضعية القهر، وتعبير عن المعاناة الإنسانية، وتلفع الحزن، واعتماد على الشخصيات الواقعية، بل علاوة على هذا وذاك كوميديا للهدم والتدمير.>>17 وهو ما يتجسد عمليا في اعتماده تقنية التغريب <<كأداة جمالية للوعي بوضعية القهر، ومقاومة كافة صُنّاعه. فما هي التقنيات المسرحية التي تتوسلها الكوميديا الصادمة بغية الوصول إلى تحقيق كافة المهام الآنفة الذكر.؟>>18
وحتى تكون الكوميديا الصادمة في انسجام تام مع مبادئها ومنطلقاتها وأهدافها وغاياتها اعتمدت على تقنية التغريب. ويطرح الكاتب سؤالين أساسيين اثنين:
أ- ما المقصود بالتغريب،؟
بـ- وما هي الآليات التي يشتغل عبرها من أجل المزاوجة بين توليد الفرجة وإذكاء فعالية الوعي النقدي في نفس الوقت.؟
صيغة السؤال الأول مثيرة للانتباه. وبدل أن يكون بالاستفهام المباشر: ما هو التغريب، اختار الباحث أن يبحث في القصد. وهي طريقة غير مباشرة يفهم منها أن للباحث تمثله الخاص للتغريب الذي تبلور عمليا من خلال ممارسته المسرحية الميدانية كمؤلف ومخرج وممثل، ومن دراسته وتكوينه الجامعي، ومن اعتكافه في البحث النظري. لقد حدد برتولد برشت مفهومه للتغريب بالقول<<إن التوصل إلى تغريب الحادثة أو الشخص، يعني قبل كل شيء وببساطة أن تفقد الحادثة أو الشخصية كل ما هو بديهي ومألوف وواضح، بالإضافة إلى إثارة الدهشة والفضول بسبب الحادثة نفسها؛>>19 مما يفهم منه أن التغريب في المسرح هو توظيف اللفظ أو الموقف أو الحدث أو الشخصية في غير الصورة المعتادة، والتصور المألوف لتثير الوعي باغترابها، وخروجها عن السائد، لإيقاظ وعي المفرج، واستنهاض الشعور بأنه طرف مباشر في تشكيل الأحداث، ومساهم في تطورها. إنها دعوة غير مباشرة للتحرر من حالة اللاوعي إلى حالة استعادة الوعي المغيب. إن الإنسان ليس سوى ثمرة إفرازات للتناقضات الاجتماعية التي تؤثر في سلوكه، وتعكس مواقفه مما يحيط به. فتتولد لديه الرغبة في التغيير، والمشاركة فيه.
إن الأمر يتعلق بالدعوة إلى تفكيك "الحقيقة الوهمية"، وإلى بناء رؤية جديدة لفهم الواقع واكتشاف "الحقيقة المغيبة". إن التغريب ظاهرة اجتماعية، نعيشها في حياتنا، ونمارسه في سلوكنا اليومي بدراية منا أو بدون. إنه الأسلوب الذي يروم تحويل الشيء المألوف إلى شيء مغاير مثير للانتباه، ودافع للفضول، فيكون محل إعجاب أو استنكار، يستوجب الحاجة إلى التمحيص والتدقيق لاتخاذ الموقف المناسب. هذا التغريب الذي يلازمنا في اليومي، هو ما يبعث في المتلقي للعرض المسرحي الرغبة في الاستفهام والاستفسار وطرح السؤال، ويدفعه إلى تبني موقف نقدي واع مما يجري أمامه. وهذا الانتقال من موقع المتفرج السلبي الباحث عن متعة استهلاكية عابرة إلى عنصر منتج ومساهم في صناعة الفعل الإبداعي المسرحي. وهو ما يستقيم مع مفهوم لحسن قناني، وهو القائل <<إن التغريب هو وليد الدهشة، ولن نبالغ إذا قلنا، الدهشة في معناها الفلسفي، والتي يتمثل الهدف منها ليس في إثارة الحيرة، بل في إيقاظ الوعي بأن الوجود يثير أسئلة لم نجب عنها ويحفل بأسرار لم نبلغ كنهها، الشيء الذي يجعل الجانب الإيجابي في الدهشة هو تحرير الإنسان من الوهم والخداع وسلطان العادة. وفي هذا السياق، يرى "شوبنهاور" بأن ما يثير دهشتنا لا يكون دائما هو المثير الشاذ، بل إن أشياء الحياة اليومية ووقائعها الاعتيادية هي التي تثير الدهشة الحقيقية، الدهشة التي ندرك في الشيء المعتاد، ما هو غير معتاد.>>20
بخصوص التغريب البرشتي، يحرص الباحث على تجاوزه انطلاقا من منطوق عبارة الكوميديا الصادمة نفسه. <<التي تحيل على أننا أمام آلية مغايرة تتخذ من الضحك مرتكزا لها؛ إذ سواء تعلق الأمر بالتلاعب بمستويات القول، أو بالانزياح عن شبكة المعايير المتعارف عليها في الكلام والموقف أو اللجوء إلى الآلية السلوكية، والمفارقة والتضاد، أو تعلق الأمر بتدمير وإعادة تعمير اللغة، أو غيرها من الميكانيزمات الإضحاكية؛ فإننا في جميع الحالات نكون أمام تقنية التغريب، لأن كافة هذه الميكانيزمات يتولد فيها الضحك من خلال الانتقال بالفعل أو القول أو السلوك من الألفة إلى الغرابة، وهنا يكمن جوهر التغريب كما أسلفنا.>>21 وبناءً عليه، فإن مدلول التغريب يتحدد أساسا في الانتقال من الأليف إلى الغريب، وبه يتحقق التباعد distanciation الذي يحول دون الإيهام، مما يسمح بأخذ مسافة معينة تجاه العرض، تتيح الحفاظ على الاستقلالية، وفرصة التأمل، وممارسة النقد والتقييم العقلي. إن الضحك لم يكن حاضرا كآلية ثابتة عند برتولد برشت، لأن المسرح الملحمي <<مسرح تعليمي جاد، أما بالنسبة للكوميديا الصادمة فإن الضحك يشكل عصب العملية الإبداعية من ألفها إلى يائها. طبعا هذا لا يعني كما أسلفنا أنها كوميديا غير جادة أو غير هادفة، بل هي فعلا كذلك. كل ما هنالك أن هدفيتها هي هدفية تدميرية.>>22
إن تأكيد كليهما على مبدأ الجدية لا يمثل قاسما مشتركا بينهما، بقدر ما يعكس اختلافا جوهريا في المفهوم. فإذا اقترن بالتقييم العقلي والطابع التعليمي في المسرح الملحمي التعليمي؛ فإنه في الكوميديا الصادمة يتبدّى في اعتماد الضحك كأساس في العملية المسرحية، على أساس أن مفعول الإضحاك سيترتب عنه بالنتيجة تأمل يفضي مباشرة إلى استنهاض فاعلية المتفرج التي تنقله من وضعية المتلقي السلبي إلى وضعية المشارك الفاعل والمؤثر في الفعل المسرحي، على اعتبار <<أن الهاجس الإضحاكي في الكوميديا الصادمة لا يتجلى فقط من خلال المواقف الفكاهية الغريزية في ثنايا الأعمال المسرحية التي تعج ضحكا واستهزاء وتهكما وتندرا وسخرية وتفكها ودعابة وتنكيتا، بل نجده يعبر عن نفسه كمنتظر صريح وكقصدية معلنة حتى في أحورة الشخصيات المسرحية، وعلى ألسنة الممثلين.>>23 وللتمثيل على ذلك، أورد المؤلف نموذجا للهاجس الإضحاكي:
<<الشن: ما لك ياعزيزي الطن بن طنطون... تبانلي دهشان.. بالك مشغول وقلبك حيران.. يا غي لاباس وكان؟..
الطن: خيالي مشحون وفكري مشطون يا عزيزي الشن بن شنشون
الشن: ياك بعد عندك الاستعداد الكافي باش تقدم معايا العرض كي العادة، كامل وافي، راه الجمهور كيتسنى.
الطن: اللا من هذ الناحية غير تهنى ولكن...
الشن: لكن حرف نصب استدراك يا عزيزي الطن بن طنطون
الطن: ولكن إلى حتى واحد من الجمهور ما ضحك، كي غادي نديروليها.؟>>24
يكشف هذا المقطع المسرحي عما تنفرد به الكوميديا الصادمة عن غيرها من الأشكال المتعددة للكوميديا. إن بلوغ غاية الإضحاك هو ما يسعى إليه الممثل في هذا المسرح الكوميدي، وهو مقياس نجاح أو فشل العرض. وذاك ما يفسر خشية الممثل "الطن بن طنطون" من عدم استجابة المتفرجين بالضحك والمرح.
يتحدث المؤلف عن مستوى ثان من الانزياح، يتحدد فيما يصطلح عليه بـ "التغريب القصي" الذي يريد به أن يبلغ مستوى التغريب حدوده القصوى في المغالاة إلى الحد الذي يصعب على المتفرج قبوله. <<وهذا النوع من التغريب بات نتيجة لفيض غرابته أقرب إلى العجائبي والغرائبي منه إلى الغريب، الشيء الذي جعله يطرح جملة من الصعوبات حتى على مستوى تجسيده المشهدي على الخشبة، سواء على المستوى السينوغرافي أو الحركي أو على مستوى المرفقات والتلفظ.. وبالتالي أصبح يتطلب توفر تقنيات ووسائل تكنولوجية أشبه ما تكون بتقنيات الخدع السينمائية.>>25 إن هذا التغريب القصي يمثل بالتأكيد قيمة مضافة للكوميديا الصادمة ترتقي بها إلى درجة امتلاك القدرة على الإدهاش والإثارة عن طريق قدح زناد المتخيل الإضحاكي.
ولعل أبرز مثال لهذه لتقنية "التغريب القصي" ما ورد في مسرحية "ما كاين باس". فقد أصر جَنينٌ أن يتمرد في بطن أمه، ويعلن الرفض الصريح لإسقاط رأسه بعدما استوفى التسعة أشهر. إننا حيال واحدة من أغرب حالات العصيان المدني التي تتمثل في رفضه الخروج من بطن أمه. إن الأمر يتعلق بحالة اعتصام في الأرحام أو حالة رفض للمغادرة الطوعية. أمر أثار دهشة الأطباء، وحاروا في تفسيره. وبالنظر إلى قلة حالتهم أمام هذه الحالة الطارئة، نصحوا الأب المغلوب على أمره بالدخول في حوار مباشر مع الجنين المعتصم في الرحم، عله يقنعه بالخروج... وهو الأمر الذي لم يملك أمامه هذا الأب المسكين سوى الاستسلام للأمر الواقع.
<<الأب: (يطرق بطن أمه، محدثا صوت الطرق بفمه) طاب... طاب... طاب
الجنيـــن: أشكون هذا اللي طاب؟ !
الأب: أسمع أذاك الحلوف...
الجنين: شكون أنت بعد أهذ قليل لحيا
الأب: (بغضب) أنا الواليد ديالك
الجنين: إلى كنت فعلا الواليد ديالي، زين فمك، وتطيحش الهدرة، راه هذا اللي
قدامك بنادم مشي حلوف
الأب: المهم... المهم... واش دبا غادي تخرج من تم ولا ما تخرجش؟
الجنين: ما خارجش
الأب: أو الله غلا تخرجها
الجنين: بربي ما راني خارجها
الأب: يا ودّي خرج (بليونة).. سعدي بولدي باش نشري ليك قاقا
الجنين: قاقا... لخاطر منعرفكش يا واحد البوحاطي، دبا تقولي قاقا، وغي يانا نخرج وأنت تدير لي توتوح.>>26
في المستوى الثالث من الانزياح، يتناول لحسن قناني مسألة "الجدار الرابع" الذي يفصل بين فضاء اللعب والفضاء الدرامي. ورغم طابعه الافتراضي، إلا أنه يظل قائما في ذهن المشاهد كحاجز بينه وبين ما يجري على الركح؛ مما يجعله عرضة للإيهام من طرف الممثلين، ويُسَهِّلُ عملية اندماج المشاهدين الذي يكونون في وضعية المنفعلين المفعول بهم. ولإبطال هذا الوهم، تسعى الكوميديا الصادمة إلى <<إبطال مفعول الإيهام وتحطيم الجدار الرابع، والانتقال بالمتلقي من حالة الانفعال السلبي والتماهي بحكاية العرض، إلى حالة الفعل والفعالية والمشاركة العقلية،>>27 لتحقيق درجة التفاعل الإيجابي مع الفرجة، وبلوغ درجة الاشباع الجمالي للعرض. وبالنسبة للكوميديا الصادمة، فإن اعتماد تقنية التغريب من شأنها تحقيق الفعالية المتبادلة بين الممثلين والمشاهدين، المتمثلة في أشراك الجمهور، ومخاطبته، وتحويل فضاءي اللعب والجمهور إلى فضاء موحد مشترك بين طرفي العرض، الممثلون والمتفرجون. وهو الأصل في الفرجة المسرحية كما تشهد بذلك عروض المسرح الصيني والمسرح الإسباني الكلاسيكي والمسرح الشعبي في عصر بريغل باعتراف برتولد برشت نفسه. إنه ذات الشكل المسرحي الذي عرفته الظواهر الفرجوية العربية والمغربية كالحلقة، والبساط، والرواة، والحكواتية، والسامر، والمداحين... وبناءً عليه، فالمراد بالتغريب المنزاح عنه هو ذلك التكنيك الذي ساد قبل النظرية الملحمية التي استلهمت التغريب من الأشكال المسرحية الأصيلة السابقة على المسارح الأوربية.
إن الأمر إذن، يتعلق بتقنية مسرحية كانت تشكل جزءا لا يتجزأ من التقاليد الفرجوية المغربية والعربية والأسيوية العريقة والمتجذرة في الأوساط الشعبية. مما يستفاد منه، أن حضور تقنية التغريب في النصوص المسرحية التي أبدعها لحسن قناني لا يعني تبني الوصفة التغريبية البرشتية الجاهزة؛ بل إنه استلهمها من صميم الفرجات الشعبية المحلية. وهذان نموذجان من مسرحيتين اثنتين، أولاهما "جحا لن يبيع حماره".
النموذج الأول
<<ممثل 1: كان يا ما كان، في قديم الزمان، وسالف العصر والأوان حتى كانت الصلاة على النبي العدنان سارية على كل لسان... صليو على النبي يا سيادنا (يتوجه بالخطاب لأعضاء الجوقة وللجمهور أيضا)
الجماعة: الله وما صلي عليك أرسول الله
ممثل 1: اللي عاود لها يربح
الجماعة: الله وما صلي عليك أرسول الله
ممثل 1: اللذي ثلثها ينجح
الجماعة: الله وما صلي عليك أحبيب الله.>>28
النموذج الثاني من مسرحية "رغيف سيزيف"
<<ممثل 5: ولكن الليل يا سادة يا كرام، حجايتنا ما تبداش بكان يا ما كان.. حتى كانت العمية تخيط الكتان، والعرجة تنقز الحيطان، والطرشة تجيب لخبر فين ما كان... حكايتنا اليوم يا سادة يا كرام ماشي بنت زمان.. حكايتنا اليوم هي بنت اليوم..
ممثل 1: حكايتنا اليوم طالعة من لبرارك ولكرابا وكواخ القزدير، ناتكة معيون القهرة والضيم والزيتون لكحل وخبز الشعير، حكايتنا مكتوبة بالعرق المالحة والزفرة الجارحة والدمع المدرار.. حكايتنا اليوم حكاية عريانة، ما تحتاج لا حنة لا مكياج.. لا لثام لا فورانة.. حكايتنا اليوم أتنوما اللي كتبتوها.. حنا غادي نقراو.. إذن سمعونا مليح عنداكم لا تسهاو..>>29
في كلا المقطعين، يتوجه الممثل إلى الجمهور مباشرة، محيطا إياهم بطبيعة النص المسرحي. ففي المقطع الأول الحكاية ذات مرجعية تراثية، أما في الثاني فهي مستمدة من المعيش اليومي في الزمن الحاضر. إن الجمهور في هاتين الحالتين يمتلك فكرة واضحة عن هوية العرض الذي يشاهده ويشارك في صنعه، وكأنه جزء لا يتجزأ من فعل مسرحي يدرك أنه فاعل ومؤثر فيه. ولا شك أن وعيه حاضر بطاقته القصوى، سيرفع من إيقاع العرض في إطار فرجة فعالة وفاعلة ومتفاعلة في الاتجاهين. وبذلك تعلن الكوميديا الصادمة عن هويتها الفنية المتمثلة في انتمائها إلى التقليد المسرحي المغربي والعربي الأصيل في قوالبه الفرجوية الشعبية.
إن تأكيد المؤلف على استقلالية رؤيته الفكرية والجمالية عن النموذج الغربي، لا يلغي إمكانية حصول تقاطع مع أعمال إبداعية غربية، أو التعامل مع تنظيرات نقدية أوروبية. وفي هذا الصدد يؤكد <<إن الكوميديا الصادمة لا تجد حرجا في التعامل مع الصيغ الغربية سواء البرشتية منها، أو تلك التي ظهرت بعد ذلك، كصيغة الميتامسرح أو المسرح داخل المسرح. أي المسرح الذي يريد إثارة الانتباه إلى ذاته وإلى عناصره وأليات اشتغاله.>>30 ويستحضر الباحث نموذجا لذلك من مسرحية "الحلم"
النموذج الأول
<<الجوقة: مثلما النورس للبحر يعود، مثلما البذرة للأرض تعود، مثلما الخضرة للحقل تعود، مثلما الشمس تعود إلى مشرقها، يعود الممثل للخشبة، يتلو سور الأحزان الأولى ويزرع في الرأس نجوما ملتهبة...
ممثل 1: فلنتسلل عبر قناع التمثيل... ولندخل في الموضوع بلا تطويل
ممثل 3: كل المقهورين سواسية في البؤس والتمثيل، مرايا تترصد أشباح الزلط...
النموذج الثاني
<<ممثل 2: ولكن يلزمنا مخرج
الجوقة: لا شأن لنا بالمخرج.. ما المخرج إلا مبراة، تبرينا كيف تشاء.. تصنع منا دمى عرجاء... لنرفض قهر الكاتب والمخرج حتى يرفض جمهورنا بالخارج، من يُخرج مأساة البؤس اليومية.>>31
إن لجوء المؤلف إلى استعمال صيغ مسرحية غربية في نصوصه الإبداعية يهدف إلى نسفها من الداخل؛ وفي ذلك رفض فكرة التسلط والقهر التي يرمز إليها في شخص الكاتب والمخرج المسرحيين اللذين يدخلان حسب لحسن قناني <<ضمن الأشكال الثقافية المكرسة لوضعية القهر، لأن التفرد سواء في السياسة أو في الثقافة هو سلطة، والسلطة تسلط وقهر واضطهاد، الشيء الذي يجعل المنفردين بسلطة الكتابة والإخراج داخل المسرحية معادلين موضوعيين لمن يخرج مأساة البؤس اليومية في الواقع الموضوعي.>>32 لذلك، لجأت الكوميديا الصادمة إلى إخراج جماعي وتوزيع أدوار ديموقراطي وحكي ولعب جماعي. وفي ذلك تعبير صريح على أن لها صيغتها التي تنفرد بها على مستويات الكتابتين النصية والعرضية (نسبة إلى العرض)، في مقابل الصيغ المسرحية الغربية ومن ضمنها البرشتية.
4 - الكوميديا الصادمة والمتفرج المقهور
تَعْتَبِرُ الكوميديا الصادمة أن انشغالها بالتغريب في صيغه الغربية، إنما يصب في صلب إشكالية التلقي بالنسبة للإنسان المقهور، وللكيفية التي تخول له أن يمارس حقه في عملية الفرجة المسرحية، انطلاقا من موقع يتيح له أن يكون فاعلا ومؤثرا. وهذه الفاعلية لن تتأتى سوى بممارسة مسرحية تتأسس على ثنائية عرض ذي إثارة جمالية، وجمهور شغوف بالفرجة، على أساس أن لا مسرح دون ممثل، ولا مسرح بدون جمهور.<<إن المسرح الحقيقي الجاد والهادف فعلا، والذي يرغب في أن يتواصل مع الجمهور تواصلا فعالا، ينبغي أن ينطلق في تنظيراته ليس من التفكير في الكيفية التي ينبغي أن تكون عليها مختلف عناصر ومكونات العمل المسرحي، بل عليه أن ينطلق أولا وقبل كل شيء من هذا الجمهور ذاته، من فهم حقيقي لميكانيزمات التلقي التي تتحكم عنده في عملية الفرجة المسرحية وتوجهها، وأن ينطلق أيضا مما هو ثابت فيها، ومما هو متحول، مما هو أساسي فيها، مما هو ثانوي، مما يمكن الاستغناء عنه، ومما لا يمكن الاستغناء عنه.>>33
بناءً عليه، تسعى الكوميديا الصادمة إلى استدراج المتلقين من وضعية المشاهدين المحايدين إلى وضعية المساهمين في بناء المشهد المسرحي بحضورهم المكثف من جهة، وباستنهاض رصيدهم الذهني لإبداء رأيهم وتحديد موقفهم، وتصريف تأثيرهم من جهة أخرى. وبذلك تكتسب الممارسة المسرحية مشروعيتها الجماهيرية بتحقيقها الامتاع الجمالي والإفادة الفكرية والمؤانسة الماتعة، وترتقي إلى مستوى الفعل البناء في التاريخ بوصفها قيمة نوعية تنضاف إلى المسار التراكمي للخلق الفني. إن المسؤولية إذًا، ملقاة على عاتق رواد المسرح التجريبيين ذوي الحس التغريبي لتجاوز المنظرين المسرحيين الذين حصروا اجتهاداتهم التنظيرية <<في تصوراتهم الخاصة للعمل المسرحي، دون اعتبار لحقيقة الجمهور المسرحي الذي وضعت هذه التنظيرات في الأساس من أجله، لأنه ومن بين كافة أشكال التعبير الفني يعتبر المسرح هو الفن الذي يستحيل اكتماله دون حضور المتلقي.>>34 وهنا تعلن الكوميديا الصادمة عن موقفها الصادم حيال <<المسرح التجاري، سواء كان مصدر ارتزاقه هو شباك التذاكر، وهذا النوع أصبح منعدما عندنا، أو كان مصدره هو المال العام، كما هو الحال فيما يسمى بالدعم المسرحي. وهو المسرح التجاري المتبقي عندنا، والذي يتقاضى تعويضات من الدولة، طبعا ليس بدون مقابل، لأنه وكما يقول المثل الشعبي "لا ذئب يعوي لله".>>35
إنها إدانة صريحة للمسرح السائد الذي ينتج ما يزعم أنه "عمل مسرحي". إنه فعل مريب محركه الانتهازية والاستجداء اعتمادا على <<مسلكيات مشبوهة، أو من طرف لجان الدعم الذين تمثلت عندهم هذه الممارسات الانتهازية في المحسوبية والمحاباة وأخلاقيات الولائم. وبدل الانطلاق من التحولات المنتظرة في سلوك الجمهور تجاه العرض المسرحي إيمانا بهدفية المسرح وبرسالته الخالدة منذ أرسطوفان، أصبح كل تفكيرهم أفرادا وفرقا وجماعات، وبنسبة تزيد على التسعين بالمائة من الحاصلين على الدعم، أشبه ما يكون بتفكير وتخطيط العصابات الإجرامية، منصبا بالأساس على البحث عن الحيل والطرق الملتوية كيفما كانت درجة التوائها، والتي يمكن أن توصلهم إلى الحصول على الدعم المادي.>>36
تقدم الكوميديا الصادمة نفسها كـمسرح مضاد وبديل للمسرح التجاري التكسبي، الذي يقدم عروضا بئيسة لا يشاهدها أحد. إنه بؤس المسرح المدعوم ماديا، والميؤوس منه إبداعيا، والمتخلَّى عنه جماهيريا؛ <<مع العلم، بأن هذا الجمهور هو سبب وجوده، والذي بدونه ينعدم هذا الوجود. إن مثل هذا التعاطي هو في نظر "جروتوفسكي" منظر المسرح الفقير، أشبه ما يكون بالدعارة لأن كلا من المومس وممثل المسرح التكسبي يبيعان جسديهما مقابل المال.>>37 وفي هذه الحالة يتحول القهر من مجرد <<صفة ملازمة للإنسان باعتباره وجودا أو كينونة أو باعتباره وضعا بشريا Condition humaine>>38 إلى صفة ملازمة للتلقي أيضا، وفي ذلك احتقار وإهانة واستغلال للشغف الغريزي للإنسان التواق دوما إلى الاحتفال الجماعي سواء تعلق الأمر بفرحة أو ترحة؛ على اعتبار أن في كل ما هو جماعي تنفيس وتطهير للذات البشرية.
ولما كان أساس الخطاب المسرحي هو حوار بين مُرسِل ومُرسَل إليه، سواء كانت الرسالة بصرية أو سمعية أو حركية؛ فإن المعني بهذا الحوار هو المشاهد الذي يمثل حضوره مشاركة غير مباشرة فيه، ومساهمة مباشرة في صناعة العرض. غير أنه في المسرح الريعي، يصير القهر صفة ملازمة للمتلقي، فيصبح متفرجا مقهورا مهيض الجناح، فاقد الإرادة، مكسور العزيمة. وحينما يُجَرِّدُ هذا المسرح المشاهدَ من ذاته كإنسان، ويتم تحويله إلى موضوع، فمعنى ذلك <<إفقاده القدرة على القيام بالفعل الإرادي، وإنزاله على حد تعبير عزيز لحبابي من مرتبة الشخص إلى مرتبة الكائن. والإنسان في مثل هذه الحالة سيفقد حريته وقدرته على المبادرة والاختيار واتخاذ القرار، ويصبح مجرد نتيجة حتمية للإشراطات الخارجة عن إرادته، وهي الإشراطات التي لن يكون من جرائها إلا أن تثبته ضمن العلائق المأساوية لوضعية القهر.>>39 حينها ينقلب الحوار المسرحي الذي هو في الأصل علاقة تداولية جدلية تواصلية تقوم على الكلام والإنصات إلى مونولوج يكتفي فيه أحد طرفي العملية المسرحية بالإرسال في اتجاه مُشاهد خانع مسلوب الإرادة مُرغَم على الاستقبال دونما إبداء فعل أو رد فعل. وفي هذه الحالة ينتفي الشرط التواصلي الذي هو أساس العملية المسرحية. <<وبدون الحوار الحقيقي القائم على استنفار ملكات التفكير والنقد والتحليل، لا يوجد تواصل. وإذا انعدم التواصل انعدمت الهدفية المحايثة للعملية الإبداعية في العمل المسرحي، والمتمثلة في اكتساب القدرة على التدخل الإيجابي في الواقع من أجل المساهمة في تغييره. طبعا هذا الأمر يخدم كثيرا وضعية القهر، لأن التقليل من القدرة الإبداعية عند الجمهور أو إلغائها تماما هو في مصلحة صناع القهر، لأنه ليس من صالحهم أن يصبح العالم موضوع وعي بالنسبة للإنسان المقهور، لأنه حينئذ سيصبح موضوعا للتغيير كذلك.>>40
إن الحاجة إلى مسرح التغيير ضرورة ملحة لمحاصرة مظاهر الزيف التي أفرغت القاعات المسرحية من روادها المتعطشين إلى فرجة مسرحية تعيد الاعتبار للجمهور الشغوف بالفرجة <<باعتبارها مجالا مفتوحا لبلورة تصورات معرفية ونشاطات اقتراحية تروم تعميق البحث المسرحي بالحفر الأركيولوجي في الأشكال الفرجوية التي ترتكز أساس على الارتجال والصدفة والإثارة. يتحول فيها الممثل بجسده إلى إنجاز حركي، وفعل فرجوي، وعلامة أنثروبولوجية يتحطم فيها الإيهام البصري، ويتحقق التفاعل المباشر والتلقائي بين الممثل والمتفرج في الفضاءات المفتوحة، التي تتيح للجمهور هامشا أكبر في التفكير والتعبير.>>41 وبذلك يتحقق التواصل المسرحي الحقيقي الذي ينسج علاقة مصالحة بين طرفي الفعل المسرحي. وهي غاية منشودة لا يمكن أن تتحقق في ظل المسرح القهري كرافد من روافد الثقافة السائدة المسيطرة الذي <<ما هو في جوهره إلا انعكاس لمجتمع القهر. وبذلك، فالعلاقة عند هذا المسرح القهري - باعتباره مسرحا مميتا يقوم على التكسب والارتزاق – بين الخشبة والقاعة، هي علاقة أحادية الجانب يتحول فيها الديالوغ إلى مونولوغ، وذلك على الشكل التالي:
الممثل يرسل والمتفرج يتلقى
الممثل يعرف والمتفرج لا يعرف
الممثل يتحرك والمتفرج يبقى ثابتا
الممثل يتكلم والمتفرج ينصت
الممثل يختار والمتفرج يذعن
الممثل له عقل والمتفرج فاقد للعقل
الممثل يلعب والمتفرج يعيش وهم اللعب
الممثل يشارك في الحدث والمتفرج يتقبل الحدث..
الممثل هو مركز العملية المسرحية والمتفرج هو هامشها.>>42
إنها علاقة قمعية، قهرية، أحادية الجانب، وحوارها يسير في اتجاه واحد. وهي الحالة التي ينعدم فيه الحد الأدنى من محددات التداول اللغوي بالنسبة إلى السياق والمقام باعتبارهما شرطين أساسيين في الكيفية التي يحصل فيها التواصل وإنتاج الدلالة بين مستعملي اللغة في علاقتهم التخاطبية تدليلا وتوجيها. إنها انعكاس للنزعة التسلطية والأنانية سواء لدى الأفراد أو المجتمعات. وبذلك تنهار التفاعلية التي تقوم على التأثر والتأثير؛ بحيث تتم عملية إنتاج المعني بين طرفي الحوار اللذين هما الممثل والمشاهد، من خلال الفعل وردود الفعل. ونجاح ذلك في العملية المسرحية لا يتحقق التفاعل سوى باستحضار انتظارات المتلقين وتوقعاتهم، وهو ما يعين على تكسير الحواجز بين الممثل والمشاهد، ويَحْدُثُ تفاعلٌ بين طرفي الفعل المسرحي، ونكون عندها بصدد التفاعلية المسرحية التي تميز المسرح التحفيزي الذي يَعتبر الجمهور طرفا أساسيا ومباشرا في إنتاج المشهد.
إننا في مسيس الحاجة إلى المسرح التفاعلي <<الذي يُعتبر من أقوى وسائل الاتصال المباشر مع المشاهد، لما يتميز به من حيوية وموضوعية في الطرح. كما أنه يهتم بإثارة القضايا والهموم المجتمعية، مع التركيز على الأبعاد المحلية التي تعزز الارتباط الوجداني بين المتلقي الأداء المسرحي.>>43 إنه تجسيد لـ "مسرح المقهورين" theatre of the Oppressed الذي أرسى قواعده المسرحي البرازيلي "أوغيستو بوال" Augusto Boal (1931 – 2009). وتتأسس هذه المدرسة المسرحية على الجوهر الاجتماعي الجمالي الإبداعي الذي يظهر في صورة جديدة وغير مألوفة، وعلاقة جديدة تماما بين الجمهور والعرض المسرحي. ويحاول هذا المسرح في تكوينه الخاص تأسيس علاقة شراكة جديدة، بين هاتين القاعدتين المسرحيتين بشكل من أشكال الاندماج بين الإثنين لأجل دفع العمل المسرحي نحو الحل الاجتماعي الذي يطرحه مسرح المقهورين، ألا وهو تغيير الواقع، وليس التماهي معه كما ينشد المسرح الكلاسيكي. ويرى هذا المُنَظِّر أن سمة المسرح التقليدي بكل أشكاله، هو عزل الناس عن دائرة الفعل، وعن ممارسة التغيير، وعدم إتاحة الفرصة له لممارسة فعل التأثير في موضوع العرض المسرحي. إن خصوصية مسرح المقهورين تتمثل في اعتباره مرآةً تتيح للمشاهد إمكانية التدخل لمباشر لتعديل المشهد المسرحي، بدل الاكتفاء بمجرد النظر إليه. إن تجربة أوغستو بوال تتحدد في بناء صورة للواقع كما يحللها ويراها الجمهور، بترتيبها من جديد وتبديل ما يلزم وكما يحلوا لهم (المقهورون). فالمقهورون يصورون أنفسهم ومشكلاتهم داخل الحل المسرحي الذي يعطونه للعمل المسرحي.
<<يقوم منهج مسرح المقهورين على خمس تقنيات أساسية. مسرح الصورة، مسرح الجريدة، المسرح الخفي، مسرح المنتدى والمسرح التشريعي. وكلها تقنيات تعمل عل دمج المتفرج ليصبح فاعلا بدرجة أو بأخرى، ولكي يتحول العرض إلى فعل قابل للتحول كل مرة حسب تدخلات المتفرج؛ حيث يصبح المنبر المسرحي ساحة للنقد، ومساحة للتفاعل الحي مع المتفرج. بهذا المعنى، تُعَدُّ التقنيتان الأخيرتان أكثر تفاعلية.>>44 إنها تجربة رائدة يجد فيها المواطن المقهور ترجمة وتجسيدا لوضعه البئيس، تتيح له فهم الواقع، وفضح المتحكمين في قواعد اللعبة المتوارين الذين لا يُراؤون. ومن ثمة، امتلاك فكرة/أفكار لبناء منظومة تعليمية تنويرية جماهيرية مضادة لمنظومة القهر الاجتماعي والسياسي. وبلوغ ذلك، رهين بفعل ثقافي ملتزم، قمين بإنتاج ذهنية جديدة قوامها الحرية والديمقراطية والمساواة. وهو ما يتقاطع مع الأفق الإبداعي الذي رسمت معالمه الكوميديا الصادمة <<للمتفرج المقهور الذي يعبر عن ميله التنويري هذا في تنكره لكافة أشكال الوصاية فكرية أكانت أم جمالية. إنه المتفرج الذي لا ينقاد دون إرادة منه لأي إيحاء مهما كان نوعه، ولا ينساق وراء أي انفعالات من جرائها أن تجعله يندمج فيما يقدم له إلى درجة التماهي، مع ما يترتب عن ذلك من فقدانه للقدرة على أن يكون مشاركا في هذا الحوار الفني الذي يسمى العرض المسرحي.>>45
هوامش
[1] - محمد قيسامي، حوار مع الكوميديا، مطبعة تريفة – بركان (المملكة المغربية)، ط1 -1998، ص18
2- نفسه، ص55
3- نفسه، 49
4- لحسن قناني، الكوميديا الصادمة، مرجع مذكور، ص52
5- نفسه، ص55
6- نفسه، ص55
7- لحسن قناني، الكوميديا الصادمة، سخرية الإنسان المقهور، مرجع مذكور، ص59
8- مولين ميرشنت نكليفورد ليتش، الكوميديا والتراجيديا، ترجمة علي أحمد محمود، مراجعة د. شوقي السكري، ود. علي الراعي، سلسلة عالم المعرفة – الكويت، رقم18- 1979، ص13
9- نفسه، ص61
10- نفسه، ص63
11- مصطفى حجازي، التخلف الاجتماعي، مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور، المركز الثقافي العربي – الدار البيضاء، ط9 – 2005، ص10
12- لحسن قناني، الكوميديا الصادمة، مرجع مذكور، ص65
13- مصطفى حجازي، التخلف الاجتماعي، مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور، مرجع مذكور، ص86
14- لحسن قناني، الكوميديا الصادمة، مرجع مذكور، ص66، 67
15- نفسه، ص68
(*) صهيل الذاكرة الجريحة، دونكيشوط بن قحطان، الجار والمجرور، رغيف سيزيف، وقتاش تصحا يا جحا، تقاسيم باسمة على وتر حزين، ميكروكراسي، كوكتيل بلدي، حجا لن يبيع حماره، الأخلاق ما بقيت، ما كاين باس، سيكبر حنظلة ...
16- ميخئيل باختين، النظرية الجمالي، المؤلف والبطل في الفعل الجمالي، رؤية موسوعية فلسفية جمالية سيكولوجية، ترجمة عقبة زيدان، دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع- العراق، ط1 – 1438، 2017، ص10
17- لحسن قاني، الكوميديا الصادمة، مرجع مذكور، ص96
18- نفسه، ص106
19- نفسه، ص106، 107
20- نفسه، 107
21- نفسه، ص114
22- نفسه، 115
23- نفسه، ص116
24- نفسه، ص116، 117
25- -نفسه، ص120
26- نفسه، 127، 128
27- نفسه، ص130
28- نفسه، ص133- 136
29- نفسه، ص134
30- نفسه، ص138
31- نفسه، ص139
32- نفسه، ص140
33- نفسه، ص145، 146
34- نفسه، ص146
35- نفسه، 147
36- نفسه، ص148، 149
37- نفسه، ص150
38- نفسه، ص151
39- نفسه، ص152، 153
40- نفسه، 154
41- عبد الرحمن بن إبراهيم، مجلة دراسات الفرجة – (ملف العدد عن فرجات الشارع والأمكنة الأخرى) طنجة، العدد12 – 2021، ص54
42- نفسه، ص155، 156
43- جهاد طه، كيف يصبح الجمهور بطلا داخل المسرح التفاعلي، جريدة مسرحنا" المصرية، العدد 920، بتاريخ 14 أبريل 2025
44- نورا أمين، مسرح المقهورين.. أفق متعدد ولا نهائي لمقترحات جديدة، مجلة الفيصل، مايو 2 – 2017، https://WWW.alfaisalmag.com
45- لحسن قناني، الكوميديا الصادمة، مرجع مذكور، ص157، 158
العلم الثقافي - الخميس 18 دجنبر 2025





