إشكالية المصطلح في المسرح العربي

    1- تأصيل الأصول في الدراما العربية.

 في العقد الأخير من القرن العشرين صدر كتاب على درجة من النزاهة العلمية والصرامة المنهجية  لباحث عراقي من أصل يهودي يدعى شموئيل موريه. ونكاد نجزم بأنه أهم بحث من حيث العمق المعرفي والحياد الموضوعي في أركيوجية المسرح العربي لحد الآن. يتعلق الأمربـ «المسرح الحي والأدب الدرامي في العالم العربي الوسيط-Live Theatre And Dramatic Literature in the Medieval Arab world »([1]). وفيه فند ادعاءات المستشرقين ومزاعم الباحثين العرب التي تذهب إلى القول بأن المسرح عند العرب وقف عند حدود خيال الظل، وأنهم لم يعرفوا المسرح البشري.

فقد أثبت بالدليل القاطع أن العرب كان لهم مسرح حي، وأن المستشرقين لم يفهموا النصوص العربيـة في المسرح العربي. فقـد أشار الباحث في مقدمة كتابه بقوله: «في هذا الكتاب وسعت نطاق بحثي ليمتد إلى الإسلام خلال لعصور الوسطى، وقد توصلت عبر هذا البحث، على خلاف ما ذهب إليه كل الباحثين العرب(·) والمستشرقين الغربيين، إلى وجود مسرح حي في العالم العربي ما قبل الحديث، فقد واصل العرب تقاليد المسرح الشعبي في الشرق الأدنى وطوروها فيما قبل وبعد مسرحيات خيال الظل، والدمى المتحركة- marionettes ومسرحيات الآلام المعروفة باسم التعازي».([2])

وبالنسبة إليه، فقد عرف المشرق العربي تقليدا مسرحيا مرتين:

«المرة الأولى عندما وصل المسرح الهلليني في أعقاب الفتوحات اليونانية والرومانية للشرق الأدني عام 331 قبل الميلاد وما تلاه. إن ما تبقى من خرائب المسارح الهللينية والرومانية في سوريا ولبنان وفلسطين ومصر وشمال أفريقيا، وما بين النهرين لشاهد على الدور الذي لعبه المسرح في مجالي الدين والسياسة. أما المرة الثانية فكانت حين أثارت المسارح الأوربية ودور الأوبرا، بدءا من القرن التاسع عشر، انتباه وإعجاب الباحثين العرب ممن حاولوا تقليدها أملا في تبنيها وسائل للإصلاح الثقافي والإجتماعي والأدبي، لعلها تنجح في إحداث نهضة في العالم العربي».([3])

والسؤال الكبير الذي يطرح نفسه هو:

-ماذا حدث خلال تلك المدة الزمنية الممتدة على مدى أكثر من ألفي سنة؟.

بالنسبة للباحث، «فقد عرف العالم الإسلامي تقليدا مسرحيا راسخا للمسرح الحي، وإن كان ذلك على مستوى شعبي فحسب».([4]) ويستشهد بواحد من أهم الأدلة في عصر النبي صلى الله عليه وسلم: «كان حسان بن ثابت شاعر النبي محمد، والمنافح عنه، والذي كان شاعرا نشيطا في عصري الجاهلية والإسلام على السواء. ففي الجاهلية اعتاد حسان التردد على بلاط ملوك العرب المسيحيين من الغساسنة في سوريا، ومن المناذرة في الحيرة المتاخمين للإمبراطوريتين البيزنطية والفارسية. وفي إحدى قصائده الغراء يستشهد حسان بن ثابت بـ" ميامس غزة" كنموذج ومثال للشيء الضعيف المتهافت، وفي هذا يقول:                                                                                                

ميامس غزة ورماح غاب *** خفاف لا تقوم بها اليدان. 

إذن،  فما هي الميامس؟ يخبرنا الشراح والمعلقون على ديوان حسان بن ثابت أن لفظة (ميامس) جمعه (ميمس)، و"الميمس هو الذي يسخر منه. وما هذه اللفظة مشتقة من لفظة (مومسة)، مفرد (موامس)، وهن النساء البغايا. وإذا كان الأمر كذلك، فإن حسان بن ثابت كان يشير إلى الممثلين الإيمائيين».([5]) وهو ما يتفق تماما مع الرأي القائل «إن كلمة "ميامس" تشير إلى دجود التمثيل، وهي ذات علاقة  بلفظة Mimus.التي تعني "الممثل الهزلي"».([6])

  • لعبة الكرج: وفي العصر الأموي يورد الباحث ما يثبت أن المجتمع العربي عرف "اللعب المسرحي". «فقد سخر جرير بـ الفرزدق عندما رآه يرفل في الديباج، وشببه بـ "لعبة عليها وشاحا كرج وجلاجله". بينما شبه نفسه بمحارب يلبس دروعه بين زوجاته، ويطلب منهن أن يتزين ويتطيبن، ويسلمن أنفسهن لشهواته:                                                                    لبست أداتـي والفرزدق لعبــة *** عليه وشاحا كرج وجلاجله 
  • أعدوا مع الحلي المـلاب فإنمـا *** جرير لكم بعل وأنتم حلائله 
  • وأعطوا كما أعطت عوان حليلها *** أقرت لبعل بعد بعل تراسله».([7])

و"الكرَج (بكاف مرفوعة، وراء مضعفة مع الفتح) "لعبة فارسية". ويتفق مصنفو المعاجم العربية بالإجماع على أن مصطلح "الكرج" لفظة فارسية تعني المهر أو الحصان الخشبي يلعب عليه، «وهي لعبة كانت تؤدى في كل عيد في أحياء شتى من مكة منذ الجاهلية حتى عام 252 بعد الهجرة الموافق عام 866 بعد الميلاد.»([8]) إن الأمر يتعلق بـ "لعبة" إذن. لعبة ذات طقس درامي كوميدي. فجرير يقدم نفسه فارسا بلباس الحرب، يمتطي صهوة فرسه (لبست أداتي)، ويقدم خصمه الفرزدق يركب مهرا خشبيا (والفرزدق لعبة)، أي مسخرة. «وإذا كان من غير اليسير تفسير الأداء الدرامي الذي يرمزإليه هذا الوصف الغامض، غير أن شراح "النقائض" يرون أن "الكرج" يجسد مشهدا دراميا أو حكاية"...ويرى "أمنون شلواح"-Amnon Sheloah الباحث في تاريخ الموسيقى العربية في دراسته عن "الكرج" أنه رقصة فنية يؤديها راقصون أكفاء ، وأنه "ضرب من الباليه يمتزج به عنصر الرقص". لكن في الحديث النبوي كان "الكرج" يلعب به لعَاب واحد. وكذلك كان يلعب به عامة الناس. وقد تطور اللعب بـ الكرج في العصر العباسي، وكان يلعب به راقصون ومغنون ولعَابون بمصاحبة الموسيقى، والعصر العباسي هو العصر الذي تطورت فيه فنون التسلية واللهو والترفيه بشكل عام».([9])

 وفي سعيه الحثيث لإضفاء مصداقية على رأيه، يورد الباحث شموئيل موريه رأيا لابن خلدون يقول فيه: «إن "الكرج" أداة للرقص واللعب (وهو ما يتضمن التمثيل أيضا) تكون من هيكل خشبي مزخرف (مسرجة) على شكل حصان، وعليه ملابس كملابس النساء، ويظهر الراقصون أو الممثلون وهم يمتطون صهوته، وهم يكرون ويفرون ويتنافسون بمهارة في استخدام الأسلحة».([10]) إن الأمر إذن يتعلق بـ "أداء مسرحي" عبارة عن تمثيلية تتضمن حكاية من نسج الخيال تتأسس على صراع. فجرير يقدم نفسه كمقاتل يستعد للنزال، وزوجاته (حلائله) يتلقينه بزينتهن. «وقد تتمثَل "الحكاية" أو "الخيال" التي يذكلاها "المسبحي" والتي نقلها "المقريزي" في سياق حديثه عن الإحتفالات المصرية في العصر الفاطمي في شكل عروض باستخدام الحصان الخشبي في شوارع القاهرة وأسواقها، وذلك بمثابة حراس هزليين في المواكب العديدة. وهكذا يستخدم "المسبحي" في وصفه مواكب القاهرة الفاطمية مصطلح "أفراس الخيال"، مرادفا لـ"الحكاية" و"الخيال"، وذلك بدلا من مصطلح "الكرج" الأكثر استخداما».([11])

بـ- السَماجة:   وقد عرف العرب كذلك  لعب درامي يصطلح عليه بـ "السَماجة"التي يُعرفها مصنفو المعاجم العربية على أنها هو «"كل ما هو فاحش أو غير لائق. إلا أن هذه اللفظة ترد في المصنفات الأدبية والتاريخية حاملة معنى آخر فضلا عن القبح، وهو "الممثل ذو القناع" أو "القناع الذي يلبسه هذا الممثل».([12]) وقد ورد في شعر الأمير العباسي عبد الله بن المعتز -الذي تولى الخلافة يوما واحدا- ما يوضح بجلاء الكيفية التي كان يؤدي بها "السَماجة" والأقنعة التي كانوا يرتدونها:

«فاشرب غداة النيروز صافية *** أيَامها في السُرور ساعات

 قد ظهر الجن في النهار لنا *** منهم صفوف ودستبنـدات

تميل في رقصهم قدودهم   *** كما تثنَت في الريح سروات

وركب القبح فوق حسنهم  *** ففي سماجاتهم مــلاحات».([13])

والسَماجة يراد بها الأقنعة الهزلية والكوميدية، وهي مرادف لـ "وجه المسخرة". كما جاء في شرح "ابن سينا" لـ"كتاب الشعر" لـ"أرسطو":

«ومنه نوع يسمى "قوموذيا"، وهو نوع يذكر فيه الشرور والرذائل والأهاجي، وربما زادوا فيه نغمات لتذكر القبائح التي تشترك فيها الناس وسائر الحيوانات».([14])

«والقوموذيا يراد بها المحاكاة التي هي شديدة التَرذيل، وليس بكل ما هو شرٌ، ولكن بالجنس الذي يستفحش من الشر، ويكون المقصود والإستخفاف. وكان قوموذيا نوعا من الإستهزاء. والهزل هو حكاية صغار واستعداد سماجة من غير غضب يقترن به، ومن غير ألم بدني يحل بالمحكي، وأنت ترى ذلك في هيئة وجه المسخرة عندما يغير سحنته ليطنز به، في اجتماع ثلاثة أوصاف فيها: القبح لأنه يحتاج إلى يغيُر عن الهيئة الطبيعية إلى السَماجة».([15]) وتقرن السَماجة بالخيال، أي التشخيص. مما يفهم منه أن الأمر يتعلق بمحاكاة إنس أو جن أو حيوان اعتمادا على التمثيل الإيمائي  فيه قبح وتشويه. ويستقيم هذا التعريف مع ما أوردته المستشرقة "تمارا ألكسندروفنا بونينتسيفا" في كتابها "ألف عام وعام على المسرح العربي" بخصوص "السماجاتية" (الممثلون الكوميديون):  «إنهم الممثلون والمقلدون والمهرجون الذين ذكروا في المدونات التاريخية العربية، والحكايات، واليوميات منذ أوقات بعيدة. كانوا في البدء يستعرضون فنونهم في أوقات الأعياد الإسلامية فقط، وبالتدريج توسع أفق عروضهم حتى اتخذ شكلا دنيويا اعتياديا بحتا. وإلى جانب العلماء والشعراء والموسيقيين والمطربين، كان بلاط الخليفة في بغداد يضم الممثلين والمهرجين أيضا. وهناك قرائن تدل على أن الممثلين الكوميديين "السماجاتية"، كانوا يقدمون عروضهم والأقنعة على وجوههم أثناء احتفالات رأس السنة الجديدة في بلاط خليفة بغداد، وعرفوا أيضا في مصر، وكذلك كان بلاط الدايات والبايات في المغرب العربي يضم الشعراء والموسيقيين والممثلين».([16])

 جـ- المهرج: وفي فترات لاحقة (بعد القرن الحادي عشر الميلادي) بات مصطلح "سماجة" متجاوزا، وحلت محله لفظة "مهرج". ويذهب الباحث شموئيل موريه إلى «أن هذه اللفظة واحدة من المصطلحات المسرحية القليلة التي انتقلت من اللغة العربية في الأندلس وغيرها من البلدان الأسلامية إلى بعض اللغات الأوربية، ومنها الإسبانية التي اشتقت منها لفظة "moharrache أوhomarrache، وهما مرادفتان للفظة "mascara  (مسخرة). كما أن الكلمتين "mascara" و "moharrache" تحملان نفس المعنى الكلمتين لإنجليزيتين  "buffon" و"masquerade".»([17]) وسوف تتطور هذه اللفظة لتتحول في اللغة الفرنسية إلى "masque" بمعنى "قناع"، وفي اللغة الإيطالية إلى "masschera".

 د- الحكاية:   وبالنسبة لمصطلح "حكاية" فقد وردت في المعاجم العربية بدلالة "محاكاة"-Imitation أو "تشخيص"impersonation" أو "تقليد ساخر"aping. وكانت تستخدم في بواكير الأدب العربي أحيانا بمعنى أداء محاكاة ساخرة لحادثة واقعية أو متخيلة. «وهنا نخبر صراحة وعلى نحو جلي بأن "الحكاية" كانت قائمة أحيانا على نص مكتوب، وأن مؤلفها مغن، فمن المحتمل أنها قد صيغت شعرا».([18]) وهو ما يفيد أن مصطلح "حكاية" يتطابق تماما مع ما يعرف في الأدب العربي الحديث بـ "مسرحية". وقد شهدت "الحكاية" تطورا بعد انتشار "الخيال الظلي" أو "خيال الظل"-    shadow play«الذي تبنته الأوساط الفنية في العالم الإسلامي في القرون الوسطى بعد أن قدم من أندونيسيا والصين مع قوافل التجار المسلمين وسفائنهم. وليس من الواضح ما إذا كانت "الحكاية" أو "الخيال"، كما يطلق عليها البعض والتي هي تمثيلية أو ملهاة يقوم بتمثيلها ممثلون من البشر، قد اقتبسها بالفعل لاعبو خيال الظل، أم أن هؤلاء اللاعبين قد اعتمدوا بشكل حصري على مسرحيات ألفت من أجلهم خصيصا».([19])

 هـ- الخيال: وعن دلالة لفظة "خيال" (بفتح الخاء أو بكسرها)، فقد ورد في لسان العرب «الخيال هو "الشخص والطيف". و"الخيال" في معناها الإعتيادي "خشبة عليها ثياب سود تنصب للطير والبهائم قتظنه إنسانا. وقد وردت كلمة "خيال" بهذا المعنى في "النقائض": "فزَاعة لتخويف الذئاب وإبعادها عن الماشية. كما تعني أيضا طيف المحب الذي يرى (بضم الياء) ليلا أو في الحلم (أي طيف الخيال بصورة خاصة)».([20]) غير أنها اقترنت في معناها لدى عامة الناس بـ "الحكاية" التي تعني "التمثيلية المسرحية". ويورد الباحث رواية لـ «إبراهيم بن أبي عون" أن مخنثا أعلن صراحة أنه إن هجاه جرير فسوف "يخرج أمه في الحكاية". ووفقا لما ذهب إليه "الشابشتيُ" فإن "دعبل" قال لـ "عبَادة المخنث" يوما: والله لأهجونك! فقال: "والله لئن فعلت لأخرجنَ أمك في الخيال. ووفقا لما ذهب إليه "ابن عاصم القيسي"، قال دعبل" لمخنَث: والله لأههجونَك. فقال المخنَث: لئن هجوتني لأخرجنَ أمَك في اللَعبة (بفتح اللام)».([21]) بهذا المعنى فالخيال يعني تمثيل، ولعل ما يثبت ذلك بالدليل القاطع بيتا شعريا ورد في ألف ليلة وليلة يفهم منه أن صنَاع الخيال ممثلون يبدلون شكل لحاهم وألوانها وفقا الأدوار التي يقومون بها في تمثيلياتهم:

«تروح بلحية تأتي بأخرى *** كأنَك بعض صنَاع الخيال.

وقد أعاد "جاكوب" تفسير عبارة "بعض صنَاع الخيال" أنها تعني "الممثل"، واقترح ترجمة لفظة "الخيال" في فقرة "المقريزي" إلى Phantasiegebilde,wohl Theater "الخيال"، أي المسرح. ولاحظ أن لفظة "خيال" تعني "مسرح خيال الظل"، فقط حال اقترانها بكلمة "ظل". أما "إينوسترنتسيف"Inostransev فقد رأت أيضا أن "الخيال" تعني "شخوص- figures و/أو "العروض التمثيلية"».([22])

و- اللعب: أما مصطلح "لعب"، فقد استعمل بمعنى "التمثيل". فقد ورد عند موسى بن ميمون الذي ترجع أصوله إلى الأندلس ، والذي عمل طبيبا في البلاط الأيوبي في مصر استخدام لفظة "اللعب" بدلالة "الخيال"، حيث قال: «"فرس العود(الكرج) يركب عليه الملهون يلعبون به في الخيال، وهو مشهور عند أهل اللعب».([23]) فـ "لعبة"(بضم اللام) "= دمية، و"لعبة"(بفتح اللام) = تمثيل(مسرحية). «...وفي بعض الأوقات يخرجون في أثناء لعبهم لعبة يسمونها بابة القاضي».([24]) ويؤكد الباحث شموئيل موريه أن مصطلح "لعبة"(بفتح اللام) يفيد معنى "مسرحية": «إن مصطلح "لعبة" أكثر ملاءمة لمعنى "المسرحية". وقد وجدنا العديد من مسرحيات خيال الظل تعرف بـ "لعبة"، فهنالك مثلا "لعبة الليمون"، و"لعبة الحمَام"، و"لعبة المراكب في البحر"، و"لعبة التمساح"، و"لعبة الحوت". ولقد كانت هذه المسرحيات كلها من تونس، و"ابن الحاج" من مدينة "فاس" المغربية شمال أفريقيا. وكما رأينا آنفا، فإن مصطلح "لعبة" يعني "مسرحية" في أعمال كل من "الطهطاوي" و"يعقوب صنوع».([25])

ز-الإخراج: انطلاقا من العبارة المذكورة سابقا «لئن هجوتني لأخرجن أمَك في اللعبة،» أي حاكيت أمَك في تمثيلية ساخرة. وهو ما يعني أن فعل "أخرج" يعني "مثَل"(بفتح الثاء مع التضعيف). «"ويخرج ويخرجون" أي يقوم الممثلون بتمثيل مسرحية».([26]) وبناء عليه، فـ "الإخراج" هنا بدلالة تحويل "نص" إلى "عرض".

ن- بابة: وتعني مشهدا-scène، وتترادف مع مصطلح "فصل". وقد استعملت أكثر في "خيال الظل". «وبحلول القرن الثاني عشر صارت لفظة "بابة" متداولة بمعنى "مشهد"-scène، ليس في سياق مسرح خيال الظل فحسب، بل في المسرحيات البشرية أيضا».([27])

حـ: «مع تطور المسرح العربي ظهر مصطلح جديد هو "محبظ"(بضم الميمم وكسر الباء المضعفة)، أو "محبَظ"(بفتح الباء المضعفة)، وأحيانا "محبض"(بضم الميم وفتح الباء المضعفة). وكان هذا المصطلح يطلق على الممثلين البشريين فحسب، لا على المخايلين.»([28]) ويشير الباحث أن هذه اللفظة وردت في "بابة طيف الخيال" لـ "ابن دانيال"«يقدم الأمير وصال، وهو أحد شخوص البابة نفسه قائلا: "أنا محبظ الشيطان"، ثم يضيف قائلا: "...أنا أنهش من ثعبان، وأحمل من قبان..." ومهما يكن تاريخ أصل هذه اللفظة، فإنها ظلت تدور على الألسنة في وقت "الجبرتي"، حيث يقول: ووزَعوها (يقصد الضرائب) بين جامعيها على الملتزمين ، وأصحاب الحرف، وحتى على الحواة والقرداتية والمحبظين.»([29])

2- مقومات الفعل المسرحي في فن المقامة

    إن "المقامة"، بالرغم من أنها فن سردي تصاغ فيه الحكاية بضمير المتكلم، ويتضمن مشهد مستوحى من صميم الواقع المعيش؛ إلا أنه يعتمد على الحوار (عيسى بن هشام- أبو الفتح الإسكندري). وحين تجتمع "الحكاية" و"التشخيص" و"الحوار" فذلك من مقومات "النص المسرحي". «وقد ذهب عبد الحميد يونس إلى القول إنه قد "جرت العادة عند مؤرخي الأدب العربي أن يتصوروا أن المقامة من الأنواع القصصية، قد يسردها قصَاص، وقد يدونها أديب ليتذوقها جمهور القراء. والواقع أن المقامة في أصلها أدب تمثيلي، وأنها من القيام في دار الندوة إبان العصر الجاهلي...كانت تمثيلا متواصلا، يقوم به ممثل فرد. وهو ما ذهب إليه كذلك علي الراعي الذي أشار إلى أن "المقامة المضيرية" للهمذاني ذات بناء درامي، فقام بتقسيم الحوار بين أبي الفتح والتاجر، وأكد كذلك على البناء الدرامي المحكم في "المقامة البغدادية" لأبي محمد القاسم بن على الحريري البصري، الذي يتنكر فيها "أبو زيد السروجي" في هيئة أمرأة عجوز يتبعها أطفال جياع».([30]) وواضح  أن ما أوهم الكثير من المستشرقين ومن حذا حذوهم من النقاد العرب بتصنيف "فن المقامة" في خانة الفن القصصي أخذهم  بظاهرها المتمثل في طابعها السردي الإنشائي المنمق والمعتمد على المحسنات البلاغية. وخلافا لكل هؤلاء، وفي مقدمتهم المستشرق "هوروفيتس"-Horovitz يؤكد الباحث "شموئيل موريه": «بأن "المقامة" نوع أدبي عربي عريق ذو جذور هللينية فقط بقدرما هو مدين لـ"الحكاية". وقد ألفت "المقامة" بغرض الإلقاء التمثيلي، واستخدمت أسلوب الخطابة الرنَانة بما فيه من مخزون هائل من البلاغة الرفيعة الرائعة المنمَقة والتحوير البليغ للعبارة. وقد منحت هذه السمات المقامة صفة الجدية التي لاحظها المؤلفون المسلمون، فأعجبوا بها وقدَروها في الأدب العربي».([31]) ولما كانت "المقامة فن جماعي يقتضي راو ومستمعين، ويرتبط بالوجدان الجمعي «فهو بحق رائد للرواية والقصة والتمثيل أيضا».([32]) ونورد هنا –كنموذج- مشهدا من حوار بين أبي الفتح الأسكندري-بطل مقامات الهمذاني كلها- وبين التاجر وبين الصبيان من "المقامة المضيرية من مقامات بديع الزمان الهمذاني:

«(يقوم أبو الفتح)..

التـاجر:   أين تريد؟

أبو الفتح:  حاجة أقضيها.

التـاجر:     يا مولاي، لو رأيتها ، والخرقة في وسطها (يصف بذلك زوجته لأبي الفتح)

             وهي تدور في الدور، من التنور إلى القدور، تنفث بفيها النار، وتدق بيديها

            الإبزار، وأنا أعشقها لأنها تعشقني، ومن سعادة المرء أن يرزق المساعدة من

 أبو الفتح:   صدعني بصفات زوجته، ولكن ها نحن قد انتيهنا إلى محلته.              

التـاجر:    يا مولاي، ترى هذه المحلة؟ هي أشرف محال بغداد، يتنافس الأخيار في 

          نزولها، ويتغاير الكبار في حلولها، ثم يسكنها غير التجار، ودارى في السطة

          من قلادتها،  كم تقدر يا مولاي أنفق على دار فيها؟ قله تخمينا إن لم تعرفه

          يقينا.                                                                       

أبو الفتح:  الكثير.

التـاجر: يا سبحان الله، ما أكبر هذا الغلط، تقول الكثير فقط؟ (يتنفس

          الصعداء) سبحان من يعلم الأشياء.

أبو الفتح: انتهينا إلى باب داره.

 التـاجر: هذه داري، كم تقدر يا مولاي أنفقت على هذه الطاقة؟

 أبو الفتح: (لا يرد)  التاجر: أنفقت والله فوق الطاقة، ووراء الفاقة، كيف ترى صنعتها وشكلها(لا يرد)...»([33])

     ولعل ما يدعونا إلى اعتبار المقامة مادة درامية بامتياز كون مخرج شهير من مستوى الطيب الصديقي استلهم منها مسرحيته الشهيرة "مقامات بديع الزمان الهمذاني" التي نالت إعجاب الجمهور في المغرب وفي البلدان العربية، أثارت اهتمام النقاد العرب والأجانب على على السواء. فقد عرضت في مهرجان دمشق الرابع للفنون المسرحية سنة 1972، ومهرجان الحمامات المسرحي بتونس عام 1968، ومهرجان أفينيون سنة 1973، وعرضت أيضا من قبل بباريس عام 1964... وهي المسرحية التي كانت من بين الأسباب المباشرة  في موجة التأصيل التي سادت في العالم العربي في النصف الثاني من القرن العشرين؛ والتي تركزت بالأساس على إعادة قراءة الحكايات الشعبية قراءة  مغايرة، بعد أن تبين للكثير من الباحثين العرب أن الشخصيات المسرحية في إبداعات الكثير من الكتاب الغربيين تشبه إلى حد كبير «الشخصيات مفردة الصفات، كما هو الشأن بالنسبة للكاتب الأنجليزي "بن جونسون"(1573-1637) الذي جاء بعد بعد بديع الزمان الهمذاني بخمسة قرون كاملة، "المرأة الصامتة" ,"إجازة صانع الأحذية"، "لكل إنسان مزاجه"، "سيجانوس"، "كاتلين"، الراعي الحذين"، و"قصة روبن هود" وغيرها».([34])

    وبناء عليه، فما الذي يمنعنا من اعتبار فن المقامة أول نص حكائي درامي في الأدب العربي؟.                                                                             

إننا نملك مشروعية طرح هذا التساؤل للإعتبارات التالية:                              

أ- «أن الأسلوب الذي صيغت به المقامة يتسم بالإيجاز والنزوع نحو خطابية الأسلوب، واستخدام النثر المسجوع-rhymed prose والتورية-pun، والجناس»([35])

بـ- حصول تطور في الأسلوب الموظف في "المقامة" يتبدى في «استخدام حوار ملحون لا يلتزم بقواعد اللغة العربية نحوها وصرفها».([36])

جـ- «"أن المقامة المختصرة في الخمسين مرة" (بفتح الراء من دون تضعيف، والمراد هو خمسون امرأة) التي أنشأها "محمد بن مولاهم الخياليُ" في القرن الرابع عشر الميلادي. وثمة إشارات غامضة إلى أن هذه المقامة «قد مثلت وعرضت أمام العامة علانية، ولكن يبدو أن "المقامة الهبالية" التي كتبت في لغة ملحونة، كانت قد عرضها "ابن سودان" في الأماكن العامة والميادين أمام جمهور التف متحلقا حوله كجزء من "مسخرته"-buffoonery».([37])

د- إذا كان المعلوم عن المقامات أنها كتبت في الأصل لتروى وتقرأ جهريا في المجالس أكثر مما تروى؛ فإن هذا الأداء الشفوي كان يستحضر العنصر التمثيلي المتمثل في  الإيماءات التي يستعملها الراوي رغبة منه في الإثارة والتشويق. وهي الطريقة نفسها التي يعتمدها الحكواتي العربي. وفي هذه الحالة، فالأمر يتعلق بـ "خروج في الخيال"، بمعنى "إخراج مسرحي". وإذا أخذنا في الإعتبار آراء شخصيات مسرحية بارزة من أمثال «ف. ل. نيميدوفتش، ودانتشنكو، وماكس رينهاردت القائلة بأن وجود الممثل ووجود المتفرج  يعني وجودالفرجة، أي وجود العرض، وبالتالي وجود المسرح»؛([38]) فإن المقامة تعتبر نصا دراميا يتضمن شروط العرض المسرحي. بل هناك مقامات كتبت خصيصا من أجل العرض، ويتعلق الأمر بـ« "المقامة المختصرة في الخمسين مرة" التي خطها يراع ممثل "خيالي" محترف صرَح أنه رمى من إنشائها إلى أن تكون "خلفا بعدي عند أصحابي"، كي يترحم علي "من يأتي من بعدي، مما يفهم منه بأنه دوَنها بالرغم من أنها كتبت بالعامية، فالتمثيليات العامية لم تكن تدوَن احتراما لأسلوب القرآن الفصيح الذي كانت تكتب فيه العلوم الدينية والعلوم المفيدة للمسلمين كالحساب والطب، ولم يكن لهذا المؤلف أولاد يترحمون عليه بعد وفاته، فكتب هذه المسرحية لتبقى له ذكرا».([39])

 

3-إشكالية المصطلح في النقد المسرحي العربي المعاصر

لقد شكل المصطلح النقدي في الثقافة العربية الموروثة منها والمعاصرة على السواء عائقا معرفيا مزمنا. وتأتي خطورة المصطلح المسرحي على وجه التخصيص من كون الفيلسوف العربي لم يستطع أن يحسم في أمر المصطلحات المسرحية الإغريقية «بالرغم من أن مؤلفات أرسطو التي نقلها العرب كانت تضم كتابا عن "فن الشعر" تحدث فيه الفيلسوف عن أنواع الشعر المختلفة من غناء إلى ملاحم إلى دراما، وبخاصة عن التراجيديا التي وصل إلينا كل ما كتبه عنها، فليس لدينا ما يدل على أنهم قد نقلوا أو حاولوا أن ينقلوا شيئا من مآسي الإغريق كـ "إسخيلوس" و"يوربيديس، ولذلك ضلوا ضلالا بعيدا حتى في ترجمة لفظي "التراجيديا" و"الكوميديا" اللتين ترجمهما متى بن يونس بلفضي "المدح" و"الهجاء"، عندما رأى أرسطو يعرف التراجيديا بأنها فن جميل يمتاز بالنبل وتمجيد البطولة، بينما تهدف الكوميديا إلى نقد المثالب والعيوب. وضللت تلك الترجمة الخاطئة فيلسوفا كبيرا كابن رشد، فاخذ يطبق الأصول التي وضعها أرسطو للتراجيديا والكوميديا على المدح والهجاء العربيين، ويتفنن في ضرب الأمثلة العربية للتدليل على تلك الأصول».([40])

 عجز الفلاسفة المسلمين والنقاد العرب القدامى عن إدراك المعنى الدقيق والعميق لمصطلحي التراجيديا والكوميديا يثير الكثير من علامات الإستفهام. ففي الوقت الذي كانت الترجمة في ذروة مجدها، وكانت الثقافة اليونانية محط اهتمام المترجمين العرب، لم يلتفت هؤلاء إلى الشعر الدرامي اليوناني وإلى رواده الثلاثة الكبار على الرغم من كون الثقافة اليونانية كانت في أساسها شعرا مسرحيا دراميا، ولم تثر مآسي الإغريق وملامحهم فضولهم شهيتهم المعرفية.

هذا المأزق عائد إلى سبب وحيد ووجيه لم ينتبه إليه الفلاسفة والمفكرون والنقاد القدامى العرب على السواء، وهو أنهم لم يدركوا النظريات الكلية للنقد اليوناني، لأن كتاب " فن الشعر" لم يكن مجرد كتاب في النقد المسرحي، بل كان مؤلفا جامعا – يجمع بين النظرية والمنهج والتدقيق في المفاهيم كالمحاكاة- التطهير- المأساة- الملهاة... وهو ما يفهم منه أن النقد عند اليونان كان مرتبطا ارتباطا عضويا بالفلسفة من الوجهة النظرية من جهة، وكان يتخذ من النصوص الدرامية مادة وموضوعا للاستنباط من جهة ثانية.

 ويورد أمجد الطرابلسي في هذا المجال رأيا سديدا يقول فيه «إن نقد الشعر عند العرب في العصر الوسيط ظل عربيا صميما، وأن الكتابات النقدية ظلت في تطورها محافظة على مبادئها الأصيلة لا تعرف تجديدا مهما، ولكنها تتكامل في النهاية، ويصبح النقاد السابقون هم المصدر الذي تستقي منه المادة النقدية. وفي هذا السياق وجد أن التأثير الهيليني كان محدودا. فإذا كان كتاب "الخطابة" قد استعمل في تطوير البديع، فإن كتاب فن الشعر –عموما- لم يقتحم عالم النقد لأنه يتناول موضوعا يجهله النقاد جهلا تاما».(1) وكان من المفترض أن يهتدي الفلاسفة العرب إلى الدلالة الحقيقية للمفاهيم النقدية المسرحية الإغريقية لو أن الشعراء العرب عرفوا الشعر الدرامي، خصوصا إذا علمنا أن كتاب "فن الشعر" لأرسطو يقوم على أساس «أن نظرية المأساة هي المضمون الأساسي لكتاب الشعر، ونحن نعرف مبدئيا أن الأدب العربي يجهل الشعر الدرامي، وأن المثقفين العرب الذين عاشوا في القرنين الثالث والرابع الهجريين لم يكونوا يمتلكون أية فكرة عن التراجيديا».([41]) كما أن قدامة بن جعفر الذي عرف عنه تأثره بالمنطق اليوناني في مجال الخطابة، «فقد أكد المستشرق الأنجليزي "بونيباكر" أن قدامة كان متأثرا بآراء فلاسفة اليونانيين، كما يتضح من تقسيمه للفضائل، ومع ذلك فإن كتاب "الخطابة" وكتاب "الشعر" لأرسطوطاليس لم يتركا أي أثر واضح ملموس في كتاب "نقد الشعر"».([42])

وقد أورد قدامة بن جعفر تعريفا بجنس الشعر في مقدمة كتابه: «فأما علم جيد الشعر من رديئه فإن الناس يخبطون في ذلك منذ تفقهوا في العلوم، فقليلا ما يصيبون، فلما وجدت الأمر على ذلك، وتبينت أن الكلام في هذا الأمر أخص بالشعر من سائر الأسباب الأخر، وأن الناس قد قصروا في وضع كتاب فيه، رأيت أن أتكلم في ذلك بما يبلغه الوسع فأقول: إن أول ما يحتاج إليه في شرح هذا الأمر معرفة حد الشعر الجائز عما ليس بشعر، وليس يوجد في العبارة عن ذلك أبلغ ولا أوجز مع تمام الدلالة من أن يقال فيه: إنه موزون مقفى يدل على معنى، فقولنا "قول" دال على على أصل الكلام الذي هو بمنزلة الجنس للشعر، وقولنا "موزون" يفصله مما ليس بموزون، وإذ كان من القول موزون وغير موزون، وقولنا "مقفى" فصل بين ماله من الكلام الموزون قواف وبين ما لا قوافي له ولا مقاطع، وقولنا "يدل على معنى" يفصل ما جرى من القول على قافية ووزن مع دلالة المعنى بما جرى على ذلك من غير دلالة على معنى، فإنه لو أراد مريد أن يعمل من ذلك شيئا على هذه الجهة لأمكنه وما تعذر عليه».([43])

بناء على أطروحة قدامة بن جعفر فالذين سبقوا لم ينجحوا في وضع صياغة موقف نقدي في موضوع "جيد الشعر من رديئه"، ولا شك أنه كان يقصد "المنهجية العقلية" التي اعتمدها في نقد الشعر. حيث شرَع (بتضعيف الراء) للأدب العربي قوانين جديدة لنقده على ضوء ما قرأ وتأثر به في النقد اليوناني.

  • ما الذي حال دون اطلاع العرب على الشعر الدرامي الإغريقي؟.
  • ولماذا لم تترجم الإلياذة والأدويسة في إبان ازدهار الترجمة في العصر العباسي.
  • وكيف أن هاتين الملحمتين الخالدتين لم تثر اهتمام الشعراء والنقاد والفلاسفة العرب القدامى؟.

جوابا عن هذه التساؤلات، نشير إلى:

- أن العرب أسسوا فنا دراميا خاصا بهم، وحرصوا على تأصيل الأشكال المسرحية الوافدة بما يتلاءم وخصوصيتهم الثقافية، حتى «لفظة "Theatron" نقلها المترجمون عن السريانية والقبطية إلى العربية على أنها "ملعب" (مفرد ملاعب)، ونادرا ما عربوها على "طياطر"، (مقابل "ياطرون" العبرية، و"تيأطرون السريانية)».([44]) وهذا ما يفسر كون شرَاح كتاب "فن الشعر" لأرسطو وقفوا عند حدود استخدام المصطلحات المسرحية العربية (الهجاء=الكوميديا، المديح=التراجيديا). ولعل ما يؤكد هذا الطرح، إشارة حازم القرطاجني في كتابه "منهاج البلغاء وسراج الأدباء" إلى «أن ابن سينا قد ذم هذا النوع من الشعر (الشعر الدرامي الإغريقي) فقال: "ولا يجب أن يحتاج (بضم الياء) في التخيل الشعري إلى هذه الخرافات البسيطة التي هي قصص مخترعة،. وقال أيضا: "إن هذا ليس مما يوافق جميع الطباع"».([45]) ولاشك أنهم اطلعوا عليه، ولم يجدوا فيه ما يثير فضولهم، ويحفزهم على تعريبه، بحكم القناعة الراسخة والسائدة بأنهم (العرب) أهل فصاحة ومهارة لا تضاهى في فن القول. 

- أن العرب اكتفوا باستخدام المصطلحات المسرحية العربية الخالصة: "الخيال"، "الحكاية"، "الإخراج"، "المقامة"، "المناظرة"، "المحاورة"، السماجة"، المهرج"، "المسخرة" "خرج في الظل"(قام بتمثيلية)، "لعبة"(بفتح اللام) عرض مسرحي، "ملعب"'théatre)، "بابة" (مشهد/فصل مسرحي). وحتى اللفظة الفارسية "الكرَج" عربوها فيما بعد لتصبح "فرس العود".

- «أن الهدف الرئيسي من شراح كتاب "فن الشعر" هو فهم منهاج أرسطو في النقد وتطبيقه على الشعر العربي، فكانوا يقارنون الشعر اليوناني المتسم بالجد بالشعر العربي لا سيما الجاهلي منه في قصائد المديح والرثاء. وقد أعرب "ابن سينا في نهاية تلخيصه لكتاب "فن الشعر" عن أمله في أن يقوم العرب بدراسة الشعر العربي بحيث يفيدوا من منهجية أرسطو». ([46])

4- إشكالية المرجعية في المسرح العربي  

    حين نتحدث عن المرجعية في المسرح الغربي، فإن الإحالة –تلقائيا- تكون على المسرح الإغريقي. ومن غير الممكن فهم النهضة الإوربية بمعزل عن التراث اليوناني والروماني والفلسفة اليونانية والمسيحية. السؤال الذي يطرح بإلحاح:             

  - ما هي مرجعية المسرح العربي؟. أغلب الدراسات النقدية المسرحية الحديثة التي أرخت للمسرح العربي (سبقت الإشارة إليهم) تنفي وجود مرجعية ما لهذا المسرح، وتحيل -بالنتيجة- على منتصف القرن التاسع عشر(1848). إن هذه الإحالة تكشف عن قطيعتين:

قطيعة لغوية: تتجلى في افتقار الناقد المسرحي العربي إلى العدة المعرفية اللازمة لتجاوز الحلقة المفقودة بين ماضي المسرح العربي وحاضره. وكان من تداعيات ذلك حصول "قطيعة لغوية" بين الأجيال السابقة واللاحقة، وهو ما جعل النقد المسرحي العربي عاجزا عن قراءة التجربة المسرحية العربية الموروثة على غناها: نصَا (المقامات-على سبيل المثال لا الحصر-) وعرضا(الأشكال الإحتفالية: الكرَج-السماجة-المسخرة-المهرجون-المحبظون). فقد أسيء فهم المصطلحات المسرحية العربية الموروثة؛ الأمر الذي حذا بالكثير من المستشرقين الغربيين –جهلا-إلى حد إنكار معرفة العرب بفن المسرح قبل الحملة الفرنسية على مصر، وسار سيرهم -كسلا وجهلا- الكثير من الدارسين العرب. وحتى حين ترجمت الأوديسة والإلياذة على يد سليمان البستاني في البدايات الأولى لعصر النهضة العربية الحديثة، لم يلتفت إليها الرواد المسرحيون العرب، ولم يتناولوها بالنقد ولو من باب الفضول والاستكشاف!.

    لقد كان من الصادم فعلا أن  تتبنى كوكبة من الرعيل الأول للكتاب والنقاد العرب (توفيق الحكيم، طه حسين، محمد غنيني هلال، محمد مندور، محمد عزيزة، زكي طليمات، والقائمة تطول...) موقفا خطيرا ينفي أية صلة للعرب بالمسرح، ويأتي من بعدهم من يدحض زيف ادعاءاتهم بالدليل القاطع. فقد أشار علي الراعي-وهو من هؤلاء- «وإذا مررنا بسرعة (يقول بسرعة) على الصقوس الإجتماعية والدينية التي عرفها العرب في شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام، والتي لم تتطور إلى فن مسرحي كما حدث في أجزاء أخرى من الأرض، فسنجد ثمة إشارات واضحة على أن المسلمين أيام الخلافة العباسية قد عرفوا شكلا واحدا على الأقل من الأشكال المسرحية المعترف يها وهو: مسرح خيال الظل».([47]) ومرة أخرى نتساءل:

- كيف يمكن أن يكون للعرب مسرح خيال الظل دون مسرح بشري؟.

- وهل يعقل أن يكون للعرب مسرح خيال الظل فقط، بينما كان المسرح البشري سائدا في الشعوب المجاورة التي اندمجت لاحقا في الحضارة العربية الإسلامية التي استوعبت كل المظاهر الحضارية السائدة في ذلك الإبان، ونجحت في استقطاب مثقفيها من لغويين وفلاسفة وعلماء وشعراء وفنانين... فمسرح يعقوب صنوع –مثلا-كان في كثير من مكوناته امتدادا لمسرح "المحبظين" أو "الممثلين الشعبيين". وهو شكل مسرحي احتفالي يعود إلى ما قبل الإسلام؟. «إن الذين ينكرون وجود التمثيل عند العرب واهمون، إنهم يبنون زعمهم على فقدان النصوص الأدبية. وهذه ليست كل شيء في تاريخ الشعوب والتعرف على حياتها الإجتماعية من أوسع الأبواب. إنهم لم يتبحروا في حياة الشعوب من آثار وبقايا تمثيلية ، ولو أنهم فعلوا لوجدوا خامات تفصح عن أن في حياة كل شعب محاولات في التمثيل تدل على أنه مطلب شعبي لا يخلو منه مجتمع قديم أو حديث.»([48]) قطيعة معرفية: تميزت البداية الثانية للمسرح العربي على يد مارون النقاش في سنة 1848 بكونها تمت عبر حركة التحديث التي كانت تعرفها مصر منذ موجة التحديث الأولى على يد السلطان العثماني  "عبد المجيد الأول" (1839-1861)، وكانت العروض المسرحية العربية للمحبظين ما تزال تعرض، وتلقي قبولا كبيرا من طرف كل فئات الشعب المصري. «ويروي رحالة أوربي هو "ج. بيلزوني"-G.Belzoni شاهد مسرحيتين في القاهرة عام 1815، وقد عرضت كلتاهما في حفلي زفاف. ويذكر "بيلزوني" أنه في الحفل الأول: أخذت الفرقة أماكنها بكثير من النظام وهم يشكلون مدرًَجا مستديرا، حيث كان الرجال معزولين عن النساء. وبعد الرقص جاء العرض. كان موضوع العرض مستقى من أحداث الحياة الإجتماعية، مثلما كان يحدث عندنا، لكنه يتسم ببساطة الأفكار العربية...»([49]) وهو ما يفهم منه أن الفعل المسرحي متمثلا في الهزليات القصيرة التي كان يعرضها "المحبظون" ظلت حاضرة ومستساغة في البلاد العربية لوقت طويل حتى بعد الحملة الفرنسية على المشرق العربي. «وحتى بعد إنشاء "مسرح يعقوب صنوع" ذي النمط الأوربي عام 1810، استمرت المسرحيات الشعبية تعرض داخل القاهرة وخارجها»؛([50]) بل إنه كثيرا ما كان يستعين بالمحبظيين في عروضه المسرحية. وبدل السعي إلى تطوير الشكل المسرحي العربي الأصيل من خلال الإنفتاح والإحتكاك بالمسرح الأوربي؛ سعى مارون النقاش(1817-1855) عن قصد «إلى غرس التقاليد المسرحية الأوربية، كتب ملهاته الأولى "البخيل" متأثرا بـ "موليير-Molière، ونقل شكل البرنامج المسرحي الأوربي إلى بيروت عام 1847. ومن بين هؤلاء المؤلفين أيضا "حبيب أبلا مالطي، وهو مسيحي سوري آخر، كتب مسرحية بعنوان "الأحمق البسيط" قبل عام 1855 بسنين قلائل استجابة للثورة الثقافية التي استهلها السلطان "عبد المجيد"».([51])

  لقد حرص مارون النقاش أن يقطع كل صلة بالمسرح العربي، ولم يشر إلى أدنى إشارة إلى تأثره بالتقاليد المسرحية العربية رغم معرفته بها، وإلمامه بكل ملامحها. «كذلك لم يعترف حبيب أبلا مالطي بالأثر الشعبي في مسرحه، ففي حالة مارون النقاش كانت المسرحيات الشعبية تعرض كنوع من التسلية الخفيفة فيما بين فصول مسرحياته».([52])

 

 

[1]- شموئيل موريه، المسرح الحي والأدب الدرامي في العالم العربي الوسيط. ترجمة عمرو زكريا عبدالله، منشورات الجمل-بغداد، ط1-2014، Shmuel Moreh: Live theatre and dramatic literature in the medieval Arab world, Edinburgh University Press-1992

(·)-  من بين الكتاب العرب الذين أكدوا أن العرب لم يعرفوا المسرح قبل القرن التاسع عشر:

محمد عبد الرحيم عنبر: المسرحية بين النظرية والتطبيق،القاهرة-1966. محمد عزيزة: الإسلام والمسرح،القاهرة-1971. عمر الدسوقي: المسرحية،نشأتها وأصولها،القاهرة-1957. توفيق الحكيم: الملك أوديب-1944. توفيق الحكيم،قالبنا المسرحي-1949. محمد غنيمي هلال: الأدب المقارن،القاهرة-1962. إدوارد حنين: شوقي والمسرح،مجلة المشرق،عدد32-1934. طه حسين: في الأدب الجاهلي،القاهرة- 1927 وحديث الأربعاء،القاهرة-1937. محمد مندور: المسرح،القاهرة-1963. محمد مندور:الأدب وفنونه،القاهرة-1963. ومسرحيات شوقي،القاهرة-1955. والثقافة وأجهزتها،القاهرة-1962. أحمد الشايب: أصول النقد الأدبي،القاهرة-1946. مصطفى الشكعة: من فنون الأدب العربي،القاهرة-1957. عبدالله شقرون: قصة المسرح الأول،مطبعة النجاح الجديدة-الدار البيضاء-2002.

أما الذين خالفوا هذه الرؤية، فمن بينهم: محمد كمال الدين: العرب والمسرح، القاهرة-1957. محمد حسين الأعرجي: فن التمثيل عند العرب،بغداد-1978. علي عقلة عرسان: الظواهر المسرحية عند اتلعرب،دمشق-1958(ط-3). عمر الطالب: ملامح المسرحية العربية الإسلامية،المغرب-1987.

- نفسه، ص13[2]

- نفسه، ص21[3]

- نفسه، ص22[4]

-  نفسه، ص38- 39[5]

[6]-  محمد حسين الأعرجي، فن التمثيل عند العرب، الموسوعة الصغيرة (28)، منشورات وزارة الثقافة والفنون-الجمهورية العراقية-1978، ص16

-  نفسه، ص70[7]

- نفسه، ص69[8]

- المرجع السابق،ص73[9]

- المرجع السابق،ص73[10]

- المرجع السابق'،ص74[11]

- نفسه ،ص95[12]

-  نفسه، ص102[13]

- أرسطو طاليس، فن الشعر، ترجمة عبد الرحمن بدوي، مرجع سابق،ص166[14]

- (بالصيغة التي أوردها شيموئيل موريه في كتابة المذكور،ص106-107[15]

- تمارا ألكسندروفنا بوتينتيسيفا، الأف عام وعام من المسرح العربي، مرجع سابق، ص60-61[16]

 -شيموئيل موريه، المسرح الحي والأدب الدرامي في  العالم العربي والوسيط، مرجع سابق، ص113-114[17]

- نفسه، ص175[18]

-المرجع السابق، ص203[19]

-المرجع السابق، ص245[20]

-المرجع السابق، ص248[21]

- نفسه، ص250[22]

 نفسه، ص76[23]

- نفسه، ص259[24]

- نفسه، ص260[25]

- نفسه، ص262[26]

- نفسه،  ص276[27]

- نفسه ،ص305[28]

- نفسه، ص306[29]

- نفسه، ص207[30]

- نفسه، ص210[31]

-محمد كمال الدين، العرب والمسرح، مرجع سابق، ص111[32]

- نفسه، ص112-113[33]

- نفسه، ص113[34]

- شيموئيل موريه، المسرح الحي والأدب الدرامي في العالم العربي الوسيط، مرجع سابق، ص211.[35]

- نفسه، ص212[36]

- نفسه، ص213-214[37]

- تمارا ألكساندروفا بونينتسيفا، ألف عام وعام من المسرح العربي، مرجع سابق، ص63[38]

- شيموئيل موريه، المسرح الحي والأدب الدرامي في العالم العربي الوسيط، مرجع سابق، ص214-215[39]

[40]- محمد مندور،  المسرح، مرجع سابق، ص21

 

[41]- عباس ارحيلة، مسألة التأثير الأرسطي لدى مؤرخي النقد والبلاغة العربيين، المطبعة الوطنية-مراكش، ط1-1999، ص51-52

[42]- المرجع السابق، ص54-55

- أبو الفرج قدامة بن جعفر،نقد الشعر، تحقيق الدكتور محمد عبدالمنعم خفاجي، مكتبة الكليات الأزهرية-القاهرة، ط1-1400هـ-1980م، ص62-64، المقدمة والفصل الأول[43]

- شيموئيل موريه، المسرح الحي والأدب الدرامي في العالم العربي الوسيط، مرجع سابق، ص61[44]

- انفسه، ص233[45]

- نفسه، ص232[46]

- نفسه، ص376[47]

- عمر محمد الطالب، ملامح المسرح العربي، منشورات دار الآفاق الجديدة-المغرب، ط1-1408هـ-1987م، ص308[48]

- نفسه، ص309[49]

- نفسه، ص313[50]

- نفسه، ص320[51]

- نفسه، ص322[52]