قراءة في كتاب "الحداثة والتجريب في المسرح" لعبد الرحمن بن ابراهيم


بقلم / كريم الفحل الشرقاوي


من أهم الإصدارات النقدية المغربية والعربية التي حاولت مقاربة خطاب الحداثة ومداهمة رهانات التجريب المسرحي والقبض على جمر أسئلتهما الحارقة والملتهبة والشائكة والمؤرقة.. كتاب "الحداثة والتجريب في المسرح" للباحث المغربي د. عبد الرحمن بن ابراهيم. حيث تكمن أهميته النقدية الرصينة في تناوله لخطاب التجريب المسرحي من داخل زوابع الحداثة وقطائعها الإبيستيمولوجية في الغرب، ومن خلال زلازلها وهزاتها التي أحدثتها في بنية الفكر العربي وارتدادات هاته الهزات على المسرح العربي.

الحداثة والتجريب في المسرح الغربي:
سيتناول الباحث وبكثير من الدقة المفاهيمية والمنهجية مفهوم الحداثة لغويا واصطلاحيا ومفاهيميا باعتبارها ظاهرة كونية لا زمانية ولا مكانية. تناقض كل خطاب مطلق، وتعاند كل موروث محنط، وتتحرر من كل حقيقة صنمية، وتفكك كل سردية متحجرة ومتكلسة. لتطلق العنان لدينامية السيرورة المتجددة والمتمظهرة في كل المجالات العلمية والفكرية والاجتماعية والسياسية والجمالية. هكذا ستفرض الحداثة خطابها كضرورة حتمية و"كتعبير بليغ عن المواجهة الحاسمة بين زمنين متعارضين: زمن أرسطي، وآخر حداثي، فكل ماهو أرسطي كالمطلق والثابت والجوهري والماهية أصبح مستهدفا (...) إن للحداثة دلالات لا حصر لها في شتى ميادين العلوم والفكر والآداب والفن، وأن مفهومها غير قابل للإمساك به. لأنها بكل بساطة ذات مفاهيم تتناسل باستمرار. ولأنها دائمة التغير فهي رؤية وتصور وموقف متجدد. وهي أيضا حضارة وإيديولوجية "(1) مهيمنة تكتسح كل الجغرافيات الثقافية. واستنادا لما سبق سيعمد الباحث الى مقاربة الحداثة على المستوى النظري-المعرفي مع اقتفاء أثر تجلياتها على المستوى الابداعي-التطبيقي، معتبرا أن الحداثة "نجحت في تأزيم النظريات النقدية ذات التصورات المطلقة القائمة على قوانين ثابتة. وأحالتها الى مجرد اجتهادات نسبية، ومحض قراءات حداثية للفن والابداع والمعرفة الانسانية"(2).

مسرح ما بعد الدراما   

     تمظهرات الجسد الغروتيسكي

           في مسرحية "أهل المخابئ"

 

                                    تأليف: كريم الفحل الشـــرقاوي

 

                                                     بقلم: د. عبد الرحمن بن إبراهيم

 

1 - الجسد الغروتيسكي المصطلح والمفهوم

 

   يقترن الغروتيسك بالقبح والتشوه والتقزز والفزع والشذوذ والخارق والخروج عن المألوف. وتعود أصوله إلى حفريات عُثر عليها في القرن الخامس عشر في روما، وتتضمن رسومات بشرية وبشرية متحولة وأنصاف بشرية وكائنات عجائبية وحيوانية ونباتية. ويتجسد على مستوى الخلقة، بحيث تبدو المخلوقات شاذة ومشوهة ومرعبة، وعلى مستوى ما يصدر عنها من أفعل وأقوال قبيحة وعبثية ومبتذلة، وعلى مستوى الأحاسيس التي تبدو خارقة ورهيبة وسريالية. << إن الغروتيسك فن زخرفي يتميز بأشكال بشرية وحيوانية غريبة أو خيالية متناسجة عادة مع رسوم أوراق نباتية، وشيء غريب على نحو بشع أو مضحك، خيالي غريب، متنافر على نحو بشع متسم بالإحالة أو البشاعة، مغاير لكل ما هو طبيعي ومتوقع أو نموذجي.>>[1] إنه الوجه المقنع للإنسان، والصراع الجدلي بين الأنا والآخر. فالآخر المتوارى  في المفهوم الغروتيسكي هو الذي يعكس الحقيقة التي يسعى الأنا إلى إخفائها والتستر عليها.

 

الأصول الدرامية في الأشكال الاحتفالية الشعبية العربية  

"الكُرَّج"  "الحكاية"

 

د. عبد الرحمن بن إبراهيم - المغرب

 

  • جذور المسرح الحي في العصر الجاهلي: في العقد الأخير من القرن العشرين صدر كتاب على درجة من النزاهة العلمية والصرامة المنهجية  لباحث عراقي من أصل يهودي يدعى "شموئيل موريه"   Shmuel Moreh. ونجزم بأنه أهم بحث من حيث العمق المعرفي والحياد الموضوعي في أركيولوجية المسرح العربي لحد الآن في حدود علمنا. يتعلق الأمر بـ «المسرح الحي والأدب الدرامي في العالم العربي الوسيط

 Live Theatre And Dramatic Literature in the Medieval Arab world »[1] 

وفيه فنَّد ادعاءات عديد المستشرقين التي تذهب إلى القول بأن المسرح عند العرب وقف عند حدود خيال الظل، وأنهم لم يعرفوا المسرح البشري.(*) وأثبت بالدليل القاطع أن العرب كان لهم مسرح حي، وأن المستشرقين لم يفهموا النصوص العربيـة في المسرح العربي. فقـد أشار في مقدمة كتابه بالقول:

 

"حَشَرَةُ الْقُلّاس"

عَبثيّةُ الحرب وعَجائِبيةُ الوباء وكاريكاتورية الْواقع

 

(الجزء الثالث)

 

                                           تأليف: كريم الفحل الشرقاوي 

                                           بقلم: د.عبد الرحمن بن إبرهيم

 

يتحدد مفهوم العجائبي في كونه خطاب يتصادم فيه مستويان اثنان:

مستوى أول: الشكل الدرامي الغرائبي يكون صادمًا من حيث الأنساق السمعية والبصرية. وتبعًا لذلك، فالمَشاهِد يكون المشاهد في وضع المنزلة بين المنزلتين: منزلة الواقع الذي يتموقع فيه وينطلق منه، ومنزلة ما فوق الواقع، الذي يتلقاه في إطار حبكة غامضة وبلا معالم تذكر.

مستوى ثان: يحصل انسجام وتناغم تامان مع متخيل المتلقي لأنه يدغدغ عوالم التهيئات والتصورات القابعة في أعماق الشعور، بحيث يتم تأويلها في إطار المستويين العقلاني واللاعقلاني، الموضوعي والذاتي؛ مما يوقع القارئَ للنص والمشاهدَ للعرض في حالة تعارض وتضاد حادين. إن العجائبية تعيد للمرء حس الدهشة الذي يكتشف به الطفل الحقائق لأول مرة.

"حَشَرَةُ الْقُلّاس"

عَبثيّةُ الحرب وعَجائِبيةُ الوباء وكاريكاتورية الْواقع

 

(الجزء الثاني) 

 

                                           تأليف: كريم الفحل الشرقاوي 

                                           بقلم: د.عبد الرحمن بن إبرهيم

 

 

يتحدد فضاء "حشرة القلّاس" فيما بين زمنين:

  • زمن حرب عبثية مجهولة العوالم وضعت أوزارها لتَوِّها، لكن تداعياتها ماتزال مؤثرة

<<الحفيد المجند: أفكر في تنظيم عرض أزياء رجالي باذخ وصارخ وفاضح.. سأسميه معرض الجثث المتفحمة.. سأمشي عاريا منتشيا والنار تلتهم لحمي.. ورائحة دخان شحمي المحترق تزكم أنوف الحاضرين.. أليست هذه فرجة انتحارية استعراضية صاخبة يا ... أبي.>>(22)

بـ- وزمن حرب وبائية داهمة <<في تلك الأثناء تجتاح بيت العائلة حشرة ضخمة لها ملامح دبابة.>> (23)

   من مبتدأ المسرحية إلى منتهاها، تسود حالة بياض حيث اللازمان واللامكان، واللاشخصية، لا أثر لمسميات مكانية أو زمانية، ولا أثر أيضًا لخصوصية اجتماعية أو بيئة ثقافية أو هوية فكرية. نحن بصدد نماذج بشرية فاقدة لتوازنها السيكولوجي. معطوبة في فيزيولوجيتها، مختلة في ذاكرتها في عالم افتراضي يتداخل فيه الماضي بالحاضر، ويتماهى فيه الواقع بالمتوقع إلى حد الالتباس، استحالت فيه الشخصيات الخمسة إلى كائنات غرائبية تمارس التدمير المادي للذات. في نص "حشرة القلاس" لن يكون مطلوبا من المخرج طرح تصور جديد للتمثيل، ولا هو مطالب بابتكار قواعد بديلة في تقنيات اللعب المسرحي، على أساس أن كتابة "ما بعد المسرح" ترفض أن تتخندق في إطار المذهبية، أو أن تتأطر في التصنيفات الأجناسية، كما أنها لا تعترف بالتصورات الاخراجية المؤثرة. إنها لا تقر بأية مرجعية خارجة عن مرجعيتها الذاتية. وهو ما يقود بالضرورة إلى:

 

"حَشَرَةُ الْقُلّاس"

عَبثيّةُ الحرب وعَجائِبيةُ الوباء وكاريكاتورية الْواقع

 

(الجزء الأول)

تأليف: كــريم الفحل الشرقاوي

بقلم: د. عبد الرحمن بن إبراهيم

 

 

  • مسرح "ما بعد الدراما" بدلالة "ما بعد الواقع"

    فنون الأداء المعاصرة قلصت من تأثير المسرح الدرامي الكلاسيكي من خلال الحد من تأثير النص لفائدة الممارسة الركحية، ومارست عليه تضييقًا بفعل التجريب المسرحي على مستويات النص والعرض والتلقي انتهى بتدميره واندثار النظرية الدرامية. وهو التدمير والاندثار الذاتيان اللذان تمارسهما فنون الأداء على نفسها، وعلى الدعامات الكبرى للمسرح المتمثلة في الثوابت الاستراتيجية (القوالب المسرحية، النظريات المسرحية، الصراع الدرامي، الحبكة الأرسطية...) استنادًا إلى مبدأ ما بعد الحداثة. فالمعلوم أن دلالة "ما بعد" <<التي تعني في ظاهرها التجاوز والقطيعة والرفض والإلغاء ليست جديدة؛ بدليل أن أرسطو طاليس استعملها في مؤلفه "ما بعد الطبيعة".>>(1) إن الأمر يتعلق بالتبشير بفرجة أدائية جديدة تتجاوز دراما الواقع أو الدراما/الواقع المؤطرة في بنية معرفية وجمالية متجاوَزة ومتهالكة، انسجامًا مع موجة الأدائية الراهنة التي تخلصت من ثوابت الأصول الخالدة، وتخطت الحدود الفاصلة بين الهويات الثابتة.